وقال لآخر - وقد ترك غدوّه إلى السوق - : « مالي أراك تركت غدوّك إلى عزّك ؟ » قال : جنازة أردت أن أحضرها . قال : « فلا تدع الرواح إلى عزّك » .
وعن سليمان بن معلى عن أبيه قال : سأل أبو عبد اللّه عن رجل - وأنا عنده - فقيل : أصابته الحاجة . قال : « فما يصنع اليوم ؟ » قيل : في البيت يعبد ربه . قال : « فمن أين قوته ؟ » قيل : من بعض إخوانه . قال أبو عبد اللّه : « للذي يقوته أشدّ عبادة منه » .
وقال لمعاذ - بيّاع الأكسية عندما ترك التجارة - : « لا تتركها ، فإن تركها مذهبة للعقل ، اسع على عيالك ، وإياك أن يكونوا هم السعاة عليك » .
وسأل عن رجل من أصحابه ، فقيل : ترك التجارة وقل شيئه . فاستوى الإمام جالسا - وكان متكئا - ثم قال : « لا تدعوا التجارة فتهونوا ، اتّجروا بارك اللّه لكم » .
وقال معاذ : قلت لأبي عبد اللّه : إني هممت أن أدع السوق ؟ فقال : « إذا يسقط رأيك ، ولا يستعان بك على شيء » .
يحدثنا أبو عمرو الشيباني : قال رأيت أبا عبد اللّه الصادق ، وبيده مسحاة يعمل في حائط له ، والعرق يتصبّب منه . فقلت : جعلت فداك أعطني أكفك . فقال : « إني أحب أن يتأذّى الرجل بحرّ الشمس في طلب المعيشة » .
لقد هدف الإمام عليه السّلام إلى أن يزرع حب العمل في نفوس الناس ، وأن يدفعهم إلى الاعتماد على أنفسهم من خلال الشعور بالمسؤولية . فإن التواكل أو الكسل المتعمّد ظاهرة تحط من قيمة الإنسان ، وتكشف عن نقص في مستوى وعيه وإدراكه ، وكلما كان المجتمع ينطوي على قاعدة واسعة من الأفراد الذين يدركون قيمة العمل وأهميته في الرخاء ، وتأكيد قدرة الفرد وعدم عجزه ؛ كان ذلك مؤشرا إيجابيا على مستوى الوعي الذي يسود المجتمع ، ومدى تحمل الأفراد لمسؤولياتهم في حفظ البلد والدفاع عن عقائدهم ، فالإسلام بنظامه رعى حقوق العامل بما لم تأت به أي نظم أخرى .
وعلى أي حال فقد كان الإمام الصادق يركّز على تجسيد ضرورة العمل ، وتوضيح العلاقة بين الإيمان وبين الإنتاج . ولقد هدف الإمام الصادق إلى أن يحبط روح الكسل ، ويقضي على التواكل ، لأنه يرى في الفرد العامل أنموذجا للعضو الصالح الذي يؤكد ذاته وموقعه من خلال ما ينتج للمجتمع بما منحه اللّه تعالى من موهبة وحباه من نعمة . وإيضاحا للمقام ، وزيادة للمعلومات ، نسوق بعض القضايا التي تبعث في روح المسلم نشاطا لمواصلة عمله على ضوء سيرة الإمام الصادق عليه السّلام :
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 251
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٥١