تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
خرج الإمام الصادق في يوم شديد الحر ، فاستقبله عبد الأعلى - مولى آل سام - في بعض طرق المدينة فقال : يا ابن رسول اللّه حالك عند اللّه عز وجل ، وقرابتك من رسول اللّه ، تجهد نفسك في مثل هذا اليوم ! ! ! فقال عليه السّلام : « يا عبد الأعلى خرجت في طلب الرزق لأستغني عن مثلك » . فهو عليه السّلام يضرب لعبد الأعلى المثل الأعلى في إعزاز النفس الذي يحققه المسلم من وراء العمل ، وفي نفس الوقت يعكس أولا أهمية اعتماد المسلم واستغنائه عن الآخرين مهما كانت منزلته وعظمة رتبته . وثانيا : إن استغلال الفرد وكسبه لرزقه يؤكد عزّة نفسه ، ويحفظ كرامته ، ويعيش سعيدا لا يذل لأحد ، ولا يستهين بكرامته أحد . وقد كانت الفترة التي مرّ بها الإمام الصادق قد شهدت نوعا من التطور الفكري الذي نجم عن التفاعل والحوار بين الحضارات القديمة وبين الفكر الإسلامي ، وأخذ الوضع الاقتصادي بالتدهور نتيجة سياسة القمع والضرائب والنهب التي مارسها الحكام لسدّ متطلبات بذخهم ولهوهم ، وكذلك الولاة فقد أجهدوا الرعية يأخذ الأموال من غير حقها ، كما بيّنا ذلك . والإمام الصادق في ذلك العصر حاول أن يقود الأمة إلى كل خير ، وفي هذا المجال بالذات يبذل جهده بأن يجعل من الفرد المسلم فردا متمكنا متجاوزا عوائق الضيق وآلام الفاقة ، فقام بتوعية الناس لمباشرة العمل وتحبيبه للنفوس ، وبتنمية الشعور بالمسؤولية لكي لا تلجىء الظروف أولئك الأفراد - الذين فقدوا خيرات بلادهم - إلى الاضطرار للاستجداء من السلطة والركوع على أعتابها والخنوع لها تحت وطأة قسوة ظروف الحياة ومرارة الجوع . عن هشام بن سالم قال : كان أبو عبد اللّه إذا أعتم الليل وذهب شطره ، أخذ جرابا فيه خبز ولحم ودراهم ، فحمله على عنقه ، ثم ذهب به إلى أهل الحاجة من أهل المدينة ، فقسّم فيهم ولا يعرفونه ، فلما مضى أبو عبد اللّه عليه السّلام فقدوا ذاك ، فعلموا أنه كان أبا عبد اللّه عليه السّلام .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 252 | اسد حيدر