وكان عليه السّلام في الوقت الذي يحاور فيه دعاة الثورة ، يمارس مسئولياته في وجه السلطة وانحراف الحكّام ، ويقاوم نزعات الهدم وموجات القمع وتيارات التشويه والانحراف .
وكان نهج الحوار طريقة العمل الفكري لدى الإمام الصادق ، تتسم بالشمول وسعة الرأي ، وقوة الإقناع التي تقوم على علم ثابت ، ورأي سديد . لذا فقد تولّى رد تلك الهجمات ، فكان دفاعه عن الإسلام في درء شبه الزنادقة والدهرية من أهل الأديان الأخرى قد خلّف ثورة فكرية مهمة ضمّنها عشرات من الكتب .
وكان قد بدأ التنازع في ذلك العصر بين الفلسفة وبين الإسلام والعقائد التي جاء الإسلام لمحاربتها ، وظهرت بوادر الجدل العقلي ، واتخذ علم الكلام كوسيلة للحجاج .
وكان موقف الإمام الصادق من تلك التيارات ووسط ذلك الجدال والنزاع موقف العالم المنافح عن الدين والمدافع القوي عن العقيدة الذي لا يغلب في مناظرة ولا ينقطع في محاورة ، وكان لحجّته ووضوح برهانه ورجاحة عقله وقوة استدلاله الأثر الحاسم في أن يخضع له العقل السليم ويرتاح له الضمير ، وتفنيد آراء الأعداء ودحض أفكارهم ، وتوفير أسس يركن إليها المسلم ويعتمد عليها في الدفاع عن دينه وعقيدته . وكان يدلي بآرائه أمام خصومه بمنطق يدخل إلى آذان سامعيه فينفذ إلى قلوبهم ، فلا يجدون بدّا من التسليم لقوله الحق ومنطقه الصائب . وقد حفظ لنا التاريخ خصائص منهج الإمام وميزات منطقه الذي لا يجارى في استدلالاته ، ولا يغلب في براهينه ؛ بل كان هو المتفوّق والسابق في كل مضمار .
وبهذه المواقف ، وبتلك الشهرة التي نالتها مدرسته ، والمهمة التي قام بها أصحابه في محاربة الإلحاد والملحدين كان لزاما على دعاة تلك المبادئ الذين دخلوا الإسلام أن يتستروا باعتناقه لبث سمومهم ، وشعروا بخطر موقف الإمام الصادق ومحاربته لكل فكرة من طريق العلم والمنطق ، فنظروا إليه نظرة ملؤها الحقد على الإسلام وانتصاره على عقائدهم الفاسدة وأديانهم الباطلة ، ولما وجدوا أنفسهم عاجزين عن المجاهرة بما في نفوسهم من أضغان وعداوة ، وأن انتصارات الإسلام دائمة لأن عقيدته هي مصدر هذه الانتصارات ، لجئوا إلى التلبّس ، واستخدموا أساليب
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 240
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٤٠