عمدت إلى تصفية الحركات العلوية والقضاء على زعمائها بكل وسيلة . وقد جعل السواد لباس الدعاة ، وشعارا يرفع العرب إعلانا للحداد على الحسين عليه السّلام ، فاندفع الناس لخوض تلك المعارك ، لأنها معارك تهدف إلى القضاء على معاقل الظلم ورموز الضلالة والبدع ، فانتشرت الدعوة ، وكان أبناؤها على اتصال بالإمام الصادق عليه السّلام ، ودعاتها أكثرهم يأملون بإسناد الحكم للعلويين . فالعباسيون أنصار دعوة وجنود حركة وليسوا رؤساء ! فالدعوة إسلامية المبدأ ، شيعية النزعة ، لم يتمكن العباسيون من الإعلان عن نواياهم العدائية تجاه أهل البيت ، بل عرفوا كيف يستغلون مشاعر الناس وتعاطفهم مع العلويين ، وتستروا بدعوة الرضا من آل محمد . فسارت الجموع بحماس شديد سعيا وراء هدف سام هو جعل الإمامة في أهلها الذين يستحقونها بجدارة من أهل بيت النبوة ، حتى يصلح اللّه بهم ما فسد من الأمور وما اختلف فيه الناس .
وفي البيت العلوي رجال يصلحون لتولي الإمامة بظاهرها من حيث الدين والتقوى ، ولكن ليس فيهم النص ، ولم تكن إليهم الوصية ، وإنما كانت لمن شملته العصمة وفاقهم في الخصال . وكلهم لا ينازع الإمام الصادق موقعه أو مكانته ، وعند ما بلغت الأمور - من الجانب السياسي - حدا يساعد على التغيير والتحول في السلطان ، كان الإمام الصادق يمد ببصره إلى ما وراء الأحداث والمصالح القريبة ، فما كان من أبناء عمه ممن نظروا إلى التحول والتغيير في حدوده المحسوسة ، إلّا أن طلبوا منه الدخول في ما عزموا عليه من إعلان الثورة وإسناد الثوار منهم ، ولكنه عليه السّلام رفض رفضا باتا .
وقد ذكرنا آنفا أنه طلب من الثوار العلويين التريث في الأمر - ولأهمية هذا الموضوع سنخصص له بابا آخر نبحث فيه الدقائق والتفاصيل - لأن قضية التفريق بين دواعي الموقفين واختلاف النظرتين قضية هي من الأهمية بمكان لا تنتهي بانتهاء ظرفها ، ولأن الإمام الصادق دفع بجوهرها إلى آفاق واسعة ما زلنا حتى اليوم نعيش حقيقة ذلك الجوهر وواقع تلك النظرة ، وسيأتي بحث ذلك قريبا .
ومن ملامح النظرة التي اتسم بها الإمام الصادق . أن الأمة تحتاج إلى الرجال في مجال الإصلاح والدعوة ، وأن المسلمين يواجهون حكاما عتاة وسلاطين متجبرين ، فما كان في عهد الأمويين سيتكرر لأنه عليه السّلام لمس من العباسيين مذهبهم في توسّل كل الطرق إلى سدّة الحكم وعملهم على الصعود إلى السلطان بوسائل تضمن لهم
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 237
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٣٧