ذلك ما دام النظام الأموي قد انحدر إلى نهايته . وفي عهد العباسيين ، فقد رأى الإمام الصادق أن قوة النظام الجديد ، ووحشية الحكام الجدد ستدفع بالأمة إلى أوضاع سيئة . وستعود على أهل البيت بفظائع أخرى ومجازر تزهق فيها أرواحهم وتهرق دماؤهم .
أما في بدء الأمر ، وقبل قيام حكم العباسيين ، فإن الأوضاع التي ستؤول إليها الأحداث واضحة ، فلا بد من انتهاء حكم الأمويين وزوال ظلمهم ، والتحول آت بكل الأحوال ، وقد رأى الإمام الصادق مبلغ الاستجابة للدعوة ، وتعاطف الناس مع الثورة ، والكل في عينيه مرأى مظالم آل محمد ، ومناظر المصائب والمآسي التي حلت بهم على يد الأمويين ، فراح الناس يؤيدون الثوار . بيد أن علم الإمامة قد عين هذه الفترات ، وقسّم هذه الأدوار . فليس الأمر كما يظن ذوو الأنظار القصيرة من الناس مهما اتسعت تجاربهم ونمت مداركهم ، كما أن الثورة ضمت في تنظيماتها عناصر بعيدة كل البعد عن الأهداف التي من أجلها نظمت الدعوة ، وأعلنت الثورة ، وقد تستّر وراءها كثير من النزعات المختلفة والآراء المنحرفة ، وهتافاتهم للرضا من آل محمد لم تدفع به إلى تعريض المجتمع الديني لخطر السياسة الغاشمة ، فقد كان أبعد نظرا مما يرى في النتائج ، فهو ينظر بالفكر الثاقب والنظر الدقيق المسدّد من اللّه تعالى لعواقب الأمور ، والعلم الشامل ، ومراعاة المصلحة العامة ، والسير وفق الخطط المحكمة والآراء السديدة في تقدير الظروف ومناسباتها .
وهو رأس الأمة وإمام الناس وزعيم العلويين ، يرى آيات رعاية اللّه ، ويلمس وجوه كلاءته له ، ليسلّمه من بطش الطغاة ومحاولات الظالمين . عليه دور القيادة ، وتوجيه دفة السفينة ، وليس العكس .
وهو عليه السّلام لم يندفع وراء تيار الأقوال البرّاقة ، ولم يجر في ميدان السياسة ومخاتلتها ، وقد حاول الكثير من أتباعه وغيرهم وخلّص أصحابه والمنتمين إليه أن يثيروا عواطفه عندما استعرت نار الثورة في البلاد الإسلامية ، وانتشرت تلك الشعارات التي تدعو للرضا من آل محمد .
وسعى بعضهم بكل جهده إلى أن يحمل الإمام وأنصاره على الثورة ، ولكنهم كانوا ينظرون إلى الأمور نظرة سطحية ، فتغلب عليهم سلامة النيّة وسرعة التصديق بالأمور الظاهرة كبشر يحكمهم الواقع والتأثر بمجريات الأحداث ، وليس كما يرى الإمام
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 238
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٣٨