عدة أسئلة تفرض نفسها على الباحث ، وتحتاج منه إلى إجابة تكشف عما استتر وراءها من أمور . المشاكل - كما قلنا - كثيرة ، منها : مشكلة الثوار الذين يرمقونه بأبصارهم من بعيد ويأملون إسناد الحكم إليه ، ومشكلة النزعات الفكرية والصراع العقائدي ، ومشكلة الغلاة ، ولعلها أهم مشكلة تقف في طريق الباحث ، بل أهم مشكلة تعترض سير الحقائق التاريخية ، حيث استطاع التلاعب السياسي أن يوجد منها عوامل يتمكن من خلالها تحقيق أغراضه وأهدافه . وسنأتي لعرض موجز في البيان هنا لأنا قد أوضحنا في بحثنا الموسع ما يتعلق بهذه المشكلة « 1 » . وعصر الإمام الصادق يتصف - دون غيره من عصور الأئمة - بعوامل كثيرة ، أهمها : التحول السياسي الذي حصل في أيامه ، بل خلال أهم أدوار حياته ، وذلك بانتقال السلطة من الأمويين إلى العباسيين بعد أن انتصرت ثورتهم باسم أهل البيت عليهم السّلام ذلك التحول الذي أحدث تغييرا جذريا في المجتمع الإسلامي ، وفتح أمام المسلمين آفاقا بعيدة المدى . ولم تكن نتائج الثورة مجرد انتقال الحكم من أسرة إلى أسرة ، بل هي في الواقع ثورة لها أثرها في تاريخ الإسلام ، تعني نقطة فاصلة فيه لفعاليتها وآثارها ، حيث أحدثت في المجتمع تغيّرا عميقا وتحولا سياسيا واجتماعيا اتسعت آثاره . ولم يكن الإمام الصادق عليه السّلام بالرجل الذي تهمل الأحداث موقفه ، أو بمعزل عن ذلك المجتمع أو في منأى عن التأثر بتلك الحوادث المحيطة به ، فهو كفرد يشمله ما يشمل سائر الناس ، يعيش مع الأمة ويشاطرها آلامها ويتعرف على أحوالها . وقد كانت الأحداث تنتهي إليه لمكانته الاجتماعية والسياسية ، فالثورة قامت على أساس دعوة دينية نظمت تنظيما دقيقا يضمن لها النجاح ، ويمكّن جذورها من النمو في أرض زرعت بجثث الأبرياء وسقيت بدماء الشهداء . والدعوة قامت تحت شعار أخذ الثأر من مرتكبي المجازر والمظالم بحق العلويين ، وكان يقوم ذلك على تنظيم سرّي يعمل بتكتم شديد ، وهو يدور حول الدعوة لأهل البيت ، وإسناد الحكم إليهم لأنهم أصحابه الشرعيون ، ولا بد من الأخذ بثأرهم والانتصار لمظلوميتهم ، لأن الدولة الأموية
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 236
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٣٦
هامش
( 1 ) انظر الجزء الرابع من الإمام الصادق والمذاهب الأربعة .