وحقيقة الأمر أن جل ما تشير إليه أخباره في هذا المقام يبين منه أنه كان قلبه مع العلويين في خروجهم أولا على الأمويين ، ثم في خروجهم ثانيا على العباسيين ، وكان لا يرى لبني أمية على أي حال حقا ولا سلطانا من الشرع أو الدين ، ولكنه لا يحمل السيف ، ولا يثور ، لاعتبارات لها مقامها « 1 » . ويبدو أن ذلك كان مشهورا منه منذ عهد الأمويين ، فتوحّدت وسيلة الإيقاع به من قبل النظامين ، واتّخذ القضاء محكا لأنه منصب ديني وسلطة تشريعية تسند إلى من يتميّز بالعلم والمكانة الدينية ، فضلا عن أن توليها يعني التحاق صاحبها بالملوك والحكام ، وقد ألمحنا إلى محنته مع ابن هبيرة والي الأمويين حتى لتكاد تتساوى العقوبة كأنها تصدر عن وال واحد ، وليس ذلك بغريب لأن التهمة واحدة . يروي الحسن بن زياد - صاحب أبي حنيفة - عن أبي حنيفة قال : كان بنو أمية يطلبون الفقهاء للإفتاء ، فدعاني واحد منهم وكان أول ما دعيت ، وعن يمينه وشماله ابن أبي ليلى وابن شبرمة ، فقال لأحدهما : ما تقول في امرأة زوّجت نفسها في عدّتها ؟ قال : تفرق وتضرب ضرب النكال ، والمهر في بيت المال . وقال الآخر مثل ذلك . فقال : يا نعمان ، ما تقول أنت ؟ فاسترجعت وقلت : هذا أول ما دعيت ، كيف لا أقول ما أدين به ، وقولي فيها قول علي رضي اللّه عنه ، وبنو أمية لا يذكر عندهم علي ولا يفتون برأيه ، فقلت : أصلحك اللّه ، اختلف فيها بدريّان من أصحابه عليه السّلام فقال عمر رضي اللّه عنه بما قالا ، وقال الآخر تفرق ، وتتم عدة الأول وعليها عدة مستأنفة من الثاني إذ دخل بها ، وعليه المهر بما استحل من فرجها ، ولا يجعل في بيت المال . قال : من قال هذا ؟ قلت : علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه . قالوا : أبو تراب ؟ قلت نعم . فنكس رأسه وقال لأشبه القولين بالحديث . . . أه . وفي أخرى زيادة قال ( ابن هبيرة ) بأي القولين تأخذ أنت ؟ قال : قلت : عمر عندي أفضل من علي ، لكن برأي علي آخذ . وجلي أن أبا حنيفة إضافة إلى ما صرح به من خشيته جانب الحاكم الأموي . وتدرّجه في الإجابة الحذرة ، فإنما بادر إلى تقديم ذكر الأفضلية لتهدئة نفس الحاكم ، ومن ثم التحوّل إلى الرأي . حكى أن الكردري يعقبه بالقول : وإنما ذكر حديث
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 176
مساهمون: اسد حيدر
ص١٧٦
هامش
( 1 ) أبو حنيفة لأبي زهرة ص 31 .