وأجهز على جريحهم . ولا تفعل كما فعل أبوك في أهل الجمل ، فإن القوم لهم فئة « 1 » فلا يفرق بين دولة معاوية وبين دولة المنصور ، مما يجعل تقدير خفاء وضعه على المنصور بعيدا . وهو الملك الذي عدّ من دهاة عصره ، وقد أخّر تنفيذ حكمه إلى حين الانتهاء من الأوضاع المعقدة والظروف الشائكة التي يسببها له أهل البيت عليهم السّلام سواء بمكاناتهم الدينية أو سلطانهم الروحي أو حركاتهم الثورية وتصدّيهم لظلمه بحد السيف . ومهما يكن الاختلاف وكثرة الأقوال عن الأسباب التي دعت المنصور إلى الحقد عليه ، فمما لا شك فيه أن السبب الأساس الذي يعني السلطة هو صلة أبي حنيفة بالعلويين وميله إليهم . وقد مرّ بنا المزيد من ذلك بما لا زيادة عليه في رأينا « 2 » . ويبدو أن مدرسة أبي حنفية - برغم وجوده حيا - كانت تتأثر بالسلطة ، يتتلمذ الأصحاب على إمامهم في العلم والفقه ، وينفتحون على الحكام والساسة في المواقف والسلوك . وقد رأينا مدى التحوّل في خط أبي يوسف . أما زفر بن الهذيل فيقول : كان أبو حنيفة يجهر في أمر إبراهيم جهرا شديدا ، ويفتي الناس بالخروج معه . فقلت له : واللّه ما أنت بمنة عن هذا حتى نؤتى ، فتوضع في أعناقنا الحبال « 3 » . وفي الجملة ، فإن موقف امتناعه عن تقلّد القضاء من أهم شواهد السلوك الذي تميز بها أبو حنيفة ، وهو يشتمل على دلالات لم تغب عن بال المنصور . لأن الرفض يفسد خطة المنصور السياسية التي وضعها لمواجهة نفوذ أهل البيت عليهم السّلام ولذلك فإن فكرة المذاهب الرسمية أو السلطوية لم تلصق بأبي حنيفة ، إذ أعاقها رفضه وامتناعه ، وإنما ترتبط بأعمدة مدرسته . كذلك فإن امتناع أبي حنيفة عن تولي القضاء يعني منع التعاون معهم وحجب التأييد عنهم ، وما يحمل ذلك على أنه يرى عدم صحة إمامة المنصور فلا يجوز تولي القضاء لهم . وكيف لا يعتقد ذلك منه ، وقد تأثر بأساتذته من سادة أهل البيت ، حيث حضر عند الإمام الباقر عليه السّلام المتوفى 114 ه زيد الشهيد عليه السّلام المتوفى سنة 122 ه والإمام الصادق عليه السّلام المتوفى سنة 148 ه .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 175
مساهمون: اسد حيدر
ص١٧٥
هامش
( 1 ) مراقد المعارف . والمقاتل . والعمدة .
( 2 ) انظر ج 1 من الكتاب .
( 3 ) المقاتل .