تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢

وفي نهجنا هنا تجريد البحث عن حياة أبي حنيفة من زوائد فرضتها الميول والأغراض المتعددة ، فقد غلبت على أكثر كتّاب حياة أبي حنيفة من أتباعه عاطفة قوية ، وسيطر عليهم الاندفاع ، حتى أنهم لم يتردّدوا في استخدام الأساطير والخرافات ، فهو إمام الأئمة ، وأعلم الأمة ، وما من عالم من علماء الدنيا إلا وهو تحت ختمه ، وما من فقيه إلا وهو عيال عليه ، وأنه نودي من زاوية البيت الحرام : عرفت فأحسنت المعرفة ، وخدمت فأخلصت الخدمة ، غفرنا لك ولمن اتبعك ولمن كان على مذهبك إلى يوم القيامة « 1 » . وقد كنا هناك مضطرين إلى ذكر ما أوردوه من أحاديث عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومناقشتها ، وعند ما وضعناها في ميزان الاعتبار ، لم تحرّك كفة عن مستواها فضلا عن ترجيحها ، لأن الدوافع واضحة والأغراض جليّة ، وهي ناجمة عن أوضاع سادت فيها الفرقة وتعرّضت شخصية أبي حنيفة إلى الانتقاد ، فنالوا منه ، ووصفوه بكل مكروه . وقد قطعت خطة تأسيس المذاهب شوطا كبيرا على الساحة ، وأخذت ترسي دعائمها ، فتقتطع من أجزاء المجتمع وتسري في أحشائه ، وينشأ جيل وآخر على مثل هذه العلاقات . وعبر كل المراحل تختبئ أغراض الحكام وراء كل جانب من جوانب العداء والفرقة ، كما كانت أغراضهم وراء تصنيف الناس وتقسيم دينهم . ولقد كانت الخصائص التي تجاهلها الكثيرون ولم يذكروها بحقائق أسمائها ودلالة وجودها في شخصية أبي حنيفة ومواقفه تمثّل مشكلة للمنصور الدوانيقي « 2 » الذي عرف بعدائه للعلويين ، وميل أبي حنيفة واتصاله بهم معروف ، فتعارضت أغراض المنصور وأهدافه في إدناء أبي حنيفة ، وتوجيه الأنظار إليه ، ليقف بإزاء شخصية الإمام جعفر الصادق ، إذ قال له المنصور : يا أبا حنيفة إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد ، فهيّئ له من المسائل الشداد « 3 » . تعارضت هذه الأغراض مع خصائص أبي حنيفة وسلوكه ، حتى أنه عجز عن تحويله وإبعاده عن توجيه النقد اللاذع الذي كان شيئا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لا يطبقه المنصور

هامش
( 1 ) مفتاح السعادة 2 / 82 . ومقدمة المناقب للخوارزمي .
( 2 ) الدوانيقي أو أبو الدوانيق من الألقاب والكنى التي أطلقت على المنصور لشحّه وبخله .
( 3 ) المناقب للموفق .