وقد روي عن مالك رحمه اللّه أنه قال في أبي حنيفة نحو ما ذكره سفيان : إنه شرّ مولود ولد في الإسلام ، وأنه لو خرج على هذه الأمة بالسيف كان أهون . وروي عنه أنه سئل عن قول عمر بن الخطاب : بالعراق الداء العضال ؟ فقال مالك : أبو حنيفة . وروى ذلك كله أهل الحديث . وعن وكيع بن الجرّاح أنه قال : وجدت أبا حنيفة خالف مائتي حديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وقيل لابن المبارك : كان الناس يقولون إنك تذهب إلى قول أبي حنيفة ؟ قال : ليس كل ما يقول الناس يصيبون فيه ، كنّا نأتيه زمانا ونحن لا نعرفه ، فلما عرفناه تركناه « 1 » . ولقد جمع ابن عبد البر بعضا من أقوال المادحين والطاعنين أخذنا منها ما تقدم وسواها كثير بإمكان القارئ الرجوع إليها في الانتقاء ، في مظانّها الأخرى كالخطيب البغدادي الذي طعن علماء الحنفية فيما أورده ، ونسبوه إلى التعصب الأعمى ، وأجابوا عما ذكره ، وألفوا في ( تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب ) . على أن أعظم الأقوال تأثيرا ما ضمّته مصنّفات أصحاب الصحاح والسنن والتي تتخذ مستمسكا وأصلا يعملان في النفوس والأذهان ، فكان ما ذكره النسائي عن أبي حنيفة من أكبر ما يرفع في الحملة ضد أبي حنيفة حيث قال : وقال لنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب : وأبو حنيفة ليس بالقوي في الحديث ، وهو كثير الغلط والخطأ على قلة روايته . ثم يصنّف أصحابه إلى ضعفاء وثقات « 2 » فتضم هذه الأقوال إلى بعضها ، وتكون مادة للطاعنين . وصفوة القول ، أن دراسة حياة أئمة المذاهب تقتضي التوقف كثيرا عن ركامات ما أنتجته العاطفة وما أفرزه التعصب ، وكما أسلفنا فليس من سبل الحق وطرق الأمانة الاعتماد على ذلك ، إذ لا يجني أحد إلا أمورا لا تمت إلى الحقيقة ، ولا صلة لها بالواقع . وهي تسيء أكثر مما تنفع ، وتضعّف أكثر مما تعضد ، والطرفان في غنى عن ذلك لو أخلصوا في المأخذ ، واتخذوا من خصائص الرجال ومكانات أئمة المذاهب مادة لا يتعدّوها إلى نزغات التعصب أو التحامل الفظّ . فمن محب مغال يفتح أبواب
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 170
مساهمون: اسد حيدر
ص١٧٠
هامش
( 1 ) الانتقاء لابن عبد البر ص 151 . والخيرات الحسان ص 76 .
( 2 ) كتاب الضعفاء والمتروكين ص 124 .