ومهما بذل الباحث من جهد في تحليل الاعتماد على ما يمجّه الذوق وينبو عن العقل فلا يتجاوز الهياج العاطفي وغليان الهوى ، إذ تتصارع الانفعالات ويعمد إلى الإسفاف والابتعاد عن الحقيقة ، ومهما جهد المرء في مواجهة اضطراب المنفعل ، فلا يلق إلا انفعالا وزيادة في الاضطراب تدفعه إلى الإغراق أكثر والإسفاف إلى أبعد مما في ذهنه ، وفي نهاية الأمر تصبح الإساءة عن طريق الهوى والغلو هي الحصيلة الدائمة . قالوا : إن اللّه خص أبا حنيفة بالشريعة والكرامة . ومن كرامته أن الخضر عليه السّلام كان يجيء إليه كل يوم وقت الصبح ويتعلم منه أحكام الشريعة إلى خمس سنين . فلما مات أبو حنيفة ناجى الخضر ربه وقال : إلهي ، إن كان لي عندك منزلة فأذن لأبي حنيفة حتى يعلّمني من القبر على حسب عادته حتى أتعلّم شرع محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على الكمال . فأحياه اللّه ، وتعلّم منه العلم إلى خمس وعشرين سنة . وبعد أن أكمل الخضر دراسته ، أمره اللّه أن يذهب إلى القشيري ويعلّمه ما تعلّم من أبي حنيفة . وصنّف القشيري ألف كتاب ، وهي لا تزال وديعة في نهر جيحون ، إلى رجوع المسيح ، فيحكم بتلك الكتب . لأنه يأتي في زمان ليس فيه من كتب شرع محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيتسلم المسيح أمانة نهر جيحون ، وهي كتب القشيري « 1 » . وفي وفاة أبي حنيفة يذكرون بكاء الجن له ، ولهم أسانيدهم أن الجن بكت أبا حنيفة ليلة مات ، وكانوا يسمعون الصوت ولا يرون الشخص .
« 2 » أما الطائفة الثانية من معاصريه وغيرهم فقد رموه بالزندقة ، والخروج عن الجادّة ، ووصفوه بفساد العقيدة ، والخروج على نظام الدين ، أو مخالفة الكتاب والسنة . وطعنوا في دينه وجرّدوه من الإيمان « 3 » . وقالوا : اجتمع سفيان الثوري ، وشريك ، وحسن بن صالح ، وابن أبي ليلى