فقال : خذها يا أمير المؤمنين بارك اللّه لك فيها . قال : يا يعقوب بقيت واحدة . قلت : وما هي ؟ قال هي مملوكة ولا بد أن تستبرأ ، وو اللّه إن لم أبق معها ليلتي إني أظن أن نفسي ستخرج . قلت : يا أمير المؤمنين تعتقها وتتزوجها ، فإن الحرة لا تستبرأ . قال : فإني قد أعتقتها ، فمن يزوجنيها ؟ قلت : أنا . فدعا بمسرور وحسين ، فخطبت وحمدت اللّه ، ثم زوجته على عشرين ألف دينار . ودعا بالمال فدفعه إليها ثم قال لي : يا يعقوب انصرف . ورفع رأسه إلى مسرور فقال : يا مسرور . قال : لبيك يا أمير المؤمنين . قال : أحمل إلى يعقوب مائتي ألف درهم وعشرين تختا ثيابا فحمل معي ) . وكان الرشيد يقول لأبي يوسف في الأحوال التي تتطلب مخرجا : اذهب فاحتل « 1 » . ويقول الغزالي في وصف هذا المنحى بأنه من فتنة الدنيا ، في مساق قوله أن الفقيه في الزكاة ينظر إلى ما يقطع به مطالبة السلطان ، حتى إذا امتنع عن أدائها ، فأخذها السلطان قهرا ؛ حكم بأنه برئت ذمته . وحكي أن أبا يوسف القاضي كان يهب ماله لزوجته آخر الحول ، ويستوهب مالها إسقاطا للزكاة . فحكي ذلك لأبي حنيفة رحمه اللّه فقال : ذلك من فقهه . ويعقّب الغزالي : صدق ، فإن ذلك من فقه الدنيا ، ولكن مضرّته في الآخرة أعظم من كل جناية . ومثل هذا هو العلم الضار « 2 » . ولا نظن أن حكم الغزالي متعلّق بهذه الحادثة فحسب ، لأنها حادثة تهون أمام بقية الأحداث ، وإذا كان الغزالي على غير علم ببقية الحوادث وقال هذا القول ، فما الظن به عندئذ ؟ وبين حريم القصور العباسية كان أبو يوسف يتمتع بمكانة ما هي إلا امتداد لموقعه عند الرشيد ، يذكر الخطيب أن أم جعفر كتبت إلى أبي يوسف : ما ترى في كذا ، وأحب الأشياء إليّ أن يكون فيه كذا ؟ فأفتاها بما أحبّت . فبعثت إليه بحق فضة فيه حقاق فضة مطبقات في كل واحدة لون من الطيب ، وفي جام دراهم وسطها جام فيه دنانير . فقال له جليس له : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من أهديت له هدية فجلساؤه شركاؤه فيها » فقال أبو يوسف : ذاك حين كانت هدايا الناس التمر واللبن .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 165
مساهمون: اسد حيدر
ص١٦٥
هامش
( 1 ) تاريخ الخطيب ج 14 ص 254 .
( 2 ) إحياء علوم الدين ج 1 ص 32 .