تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥

أبو حنيفة

: ذكرنا في الجزء الأول من كتابنا بعضا من جوانب شخصية الإمام أبي حنيفة وعوامل شهرته ، ويواجه الباحث في ذلك أكثر أنواع الإعجاب وأشدّ أشكال العداء . فقد أطلق عليه أنصاره كل ما يخطر ببال من مفردات الإطراء والإعجاب ، فرفعوه إلى مستوى الأنبياء ، وفوق درجة الأولياء . بينما هبط خصومه بشخصيته إلى مستوى الدون ، فجرّدوه من كل فضيلة ، وسلبوه كل ما يؤهله لمنزلة علمية أو مكانة دينية . ونحن في خضم هذه التناقضات ، نستخلص شخصية النعمان كرئيس مذهب وصاحب مدرسة ، لنكشف بعض العوامل التاريخية التي بقيت مهملة عن قصد ، أو لم تتضح للكثيرين ممن تصدّوا للبحث ، ولم يتمثلوا عناصر التاريخ أو يستوعبوا طبيعة الظرف . والإمام أبو حنيفة من أقرب الناس إلى أهل البيت ، وأكثر أئمة المذاهب اتصالا بالإمام الصادق عليه السّلام ولقد انعكس ذلك بآثاره الواضحة في أفكاره ومواقفه . وما كان الإمام أبو حنيفة ليظهر في نظر البعض بعيدا عن أهل البيت لولا نظرة المنصور السياسية . ومحاولته التأثير في مواقف أبي حنيفة وتصرّفاته ، والاستفادة من علمه في التأثير على مكانة الإمام الصادق عليه السّلام ودفعه إلى خط العداء لآل البيت . ولقد مرّ أبو حنيفة بظرف يقرب من المحنة ، استطاع أن يجتازها ، وأن يحمي نفسه من عذاب الحكام ولذعات عنفهم . تمتع أبو حنيفة بشهرة تظافرت على قيامها عوامل كثيرة ، أهمها قدرته في القياس ، واستطاع أن تكون له مدرسة متميزة هي التي خدمت شخصيته ، وعملت على شهرته ورفع مكانته ، فقد كان أبو حنيفة محور دائرة الخلافات بين أهل الرأي وأهل الحديث ، إذ عرف بالرأي وكثرة القياس ، مع قلة العمل بالحديث ، وقد اشتهرت مدرسته بذلك ، ولقيت معارضة شديدة من حملة العلم وأهل الحديث لاقترانها بالرأي والقياس . وسار أصحاب أبي حنيفة على رأيه ، وطبقوه فيما عرض لهم من مسائل . وقام