بها ، فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته » أي أنه عليه السّلام كان يتدبّر في وجوه القدرة وجوانب العظمة ودلالة الوجود .
وعن أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السّلام قال : قلت له : أخبرني عن اللّه عز وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة ؟ قال « نعم ، وقد رأوه قبل يوم القيامة » فقلت :
متى ؟ قال عليه السّلام : « حين قال عز وجل لهم : ألست بربكم قالوا : بلى » ثم سكت ساعة ، ثم قال عليه السّلام : « وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة ، ألست تراه في وقتك هذا ؟ » قال أبو بصير : فقلت له جعلت فداك ، فأحدّث بهذا عنك ؟
فقال عليه السّلام : « لا ، فإنك إذا حدّثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقوله ، ثم قدّر أن ذلك تشبيه كفر ، وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين ، تعالى اللّه عما يصفه المشبّهون والملحدون » .
كما أن الإمام الصادق كان يأمر أصحابه بمنع الزكاة عمن قال بالجسم .
إن التدقيق في أقوال الإمام جعفر بن محمد الصادق ، والإمعان في معرفة منهجه في الوعظ والإرشاد ، يؤدي إلى معرفة ما يرمي إليه الإمام عليه السّلام من إصلاح الأمة وتوجيه الرعية بسبل واضحة وألفاظ جلية ، تستمد من القرآن والسنة معانيها ومضامينها ، فليس للخيال الذي يفلت من النص أثر في جوامع كلمه عليه السّلام كما أنه عليه السّلام يتقيد بالنص ومناسبته أو علته ، لكي لا يدع للآخرين مجالا يتذرعون به ، فيتركون العنان لشطحاتهم ونزعاتهم تنال من أسباب التشريع أو تنحرف عن أغراض التنزيل ينتحلون ما يشاؤون .
ومن حق الصوفية أن يثنوا على نظرية الإمام في المعرفة ، وأقواله في التوبة ومحاسبة النفس ، لكن ليس من حقهم أن يجعلوا تراثه الفكري مادة لبناء مصطلحاتهم ومباحثهم ، فالإمام تناول كل ما يتعلق بسلوك المؤمن وعلاقة المسلم بربه ، وأوضح بمزيد من البيان كل ما يتعلّق بوجود المؤمن في مجتمعه ، وعلاقة المسلم بإخوانه ، فليس هناك من أحاديث الصادق عليه السّلام المأثورة ما يشبه في صياغته وبنائه بيان الصوفية وصورهم وأخيلتهم ، فمنها ما لدينا عن الشيخ الصدوق في معاني الأخبار ، أن الإمام الصادق قال في قوله عز وجل :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيم
قال عليه السّلام :
« يقول : أرشدنا إلى الصراط المستقيم ، أرشدنا للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك والمبلّغ إلى دينك ، والمانع من أن نتّبع أهواءنا فنعطب ، أو نأخذ بآرائنا فنهلك » .