المجتمع ، واحتل موقع القيادة والأعلمية ؛ فاتجهت إليه الأنظار ، وقصدته الوفود من كل الأمصار . وقد شهد في حياته فترة من العصر الإسلامي اشتدت فيها التحولات السياسية ونمت فيها بذور التطورات الفكرية ، واستطاع الإمام الصادق عليه السّلام أن يقف في زحمة الأحداث ووسط تلك المعتركات على اختلاف صورها ، ويترك آثاره في كل جانب من حياة المجتمع ، ويؤثر في كل ناحية فكرية ، فلا غرو أن تكون سيرته مصدر إلهام ومعين علم . أما إذا تحكّم الهوى وغلبت الرغبات ، فلا عجب أن تخرج شواهد سيرته وأحداث حياته عن إطارها الحقيقي ، وتصرف أقواله عن مقاصدها الأصلية ، وأن تبرز عبر فترات متفاوتة ومتوالية آراء تبغي الإساءة ، وتنفضح مقاصدها وأغراضها . ولا ننسى أن نذكر من يضاف إلى هؤلاء من المستشرقين « 1 » الذين بثوا سموم دعاواهم ونظرياتهم بين أبناء أمتنا ، حتى أن البعض منهم عندما يرى الجوانب العظيمة في شخصية الإمام الصادق ، يحاول أن يرجعها إلى أصول يونانية . وهو قول نراه من السخف بحيث لا يستحق أي عناء في الرد . لقد كان لأبي عبد اللّه الإمام جعفر بن محمد الصادق من البيان والحكمة ما جعله متميزا في الفقه ، ومنهج الوعظ ، وخطة الإصلاح . سئل أبو حنيفة : من أفقه من رأيت ؟ قال : ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق ، لما أقدمه المنصور بعث إليّ فقال : يا أبا حنيفة إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد ، فهيّئ له من المسائل الشداد . فهيأت له أربعين مسألة ، ثم بعث إلي أبو جعفر - وهو بالحيرة - فأتيته ، فدخلت عليه وجعفر بن محمد جالس عن يمينه ، فلما بصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلني لأبي جعفر ، فسلّمت عليه وأومأ إليّ فجلست ، ثم التفت إليّ فقال : يا أبا حنيفة . ألق على أبي عبد اللّه من
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 119
مساهمون: اسد حيدر
ص١١٩
هامش
( 1 ) لم نخض في افتراءات المستشرقين على شخصية جابر بن حيان أبي الكيمياء وتلميذ الإمام الصادق عليه السّلام وسلوكهم مختلف الوسائل للإساءة إلى أستاذ جابر وإمامه من تشكيك ونسبة إلى الصوفية أو الإسماعيلية أو إنكار وجوده وغيرها ، وجميعها لم تؤثر على مكانة الإمام الصادق ، واتصال جار بمدرسته عليه السّلام والتخرّج على يديه . ومن الجليّ أنهم استعظموا أن يكون في الإسلام رجل كجابر الذي أنكروا وجوده ، فكيف لا يهولهم أن يكون في تاريخنا من هو أعظم من جابر وصاحب فكر تخرّج عليه العلماء . راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب .