تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦

الذي لا يطفى ، وبعزائمك التي لا تخفى ، وبعزّك الذي لا ينقضي ، وبنعمك التي لا تحصى ، وبسلطانك الذي كففت به فرعون عن موسى » ودعا على داود حتى سمعوه يقول : « الساعة الساعة » فما استتم دعاءه حتى سمعت الصيحة في دار داود « 1 » . وقد قلنا في الجزء الثاني أن المنصور اقتضت سياسته عند اشتداد ملكه بأن يقضي على الإمام الصادق ، واتخذ شتى الوسائل في ذلك ، فكم مرة يحضره للفتك به ، وكانت سلامته في تلك المواقف أعجوبة ، لأن المنصور لا يتورّع عن إراقة الدماء ، ولكن عناية اللّه وعينه التي كانت ترعى الإمام دفعت عنه كيده في كل مرة كان المنصور ينوي بها الفتك بالإمام الصادق . يحدثنا علي بن مسيرة ، قال : لما قدم أبو عبد اللّه على أبي جعفر ، أقام أبو جعفر مولى له على رأسه ، وقال له : إذا دخل جعفر بن محمد فأضرب عنقه . فلما دخل أبو عبد اللّه نظر إلى أبي جعفر وأسرّ شيئا في نفسه ثم أظهره : « يا من يكفي خلقه كلهم ولا يكفيه أحد ، اكفني شرّ عبد اللّه بن علي » فسلّمه اللّه من شرّه واستجاب دعاءه « 2 » . وخلاصة القول ، أن الإمام الصادق لم يكن يرى التصوّف أو يقصد تأييد ما ظهر من أفكاره في عصره ، بل ما رأته الصوفية وأوّلته وصبّته في قوالب أفكارها ، هي معالم سيرة طاهرة عرف بها أهل البيت في كل عصر كقادة للأمة وهداة وأئمة . فلذلك لما جاء قوم - ممن يظهرون التزهّد ، ويدعون إلى التقشّف - إلى الإمام الصادق ، كما رواها الحسن بن علي بن شعبة الحرّاني الحلبي في تحف العقول كان مما خاطبهم به الإمام الصادق عليه السّلام « هاتوا حججكم » فقالوا : إن حجّتنا من كتاب اللّه . قال لهم عليه السّلام : « فأدلوا بها فإنها أحق ما اتبع وعمل به » قالوا : يقول اللّه تبارك وتعالى يخبر عن قوم من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :

ويُؤْثِرُون عَلى أَنْفُسِهِم ولَوْ كان بِهِم خَصاصَةٌ ومَن يُوق شُح نَفْسِه فَأُولئِك هُم الْمُفْلِحُون
فمدح فعلهم . وقال في موضع آخر :
ويُطْعِمُون الطَّعام عَلى حُبِّه مِسْكِيناً ويَتِيماً وأَسِيراً
فنحن نكتفي . فقال الإمام عليه السّلام : « أخبروني أيها النفر ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخه ، ومحكمه من متشابهه الذي في مثله ضل من ضل وهلك
هامش
( 1 ) الكافي ج 2 ص 557 ط 2 .
( 2 ) الكافي ج 2 ص 561 .