المصدر :
نرى أنفسنا ملزمين بأن نستعرض مصدر هذه القصة ، ونقف على المنبع الذي استقى منه الكتّاب معلوماتهم عنها ، لأنا قد وجدنا بعض الكتّاب ممن يميل إلى التشكيك في صحتها ولكنهم لا يستطيعون أن يقولوا ذلك بصراحة لأنهم يظنون أنها متعددة الروايات متواترة عن الثقات ، من المؤرخين ، الأمر الذي يدعو إلى عدم طرحها ولكنه ينفي المبالغات التي فيها . ويذهب بعضهم إلى الجزم بصحتها لأنها وردت عن راو خرج حديثه الترمذي ومن هذا وذاك اختلط الأمر على كثير منهم . يقول الدكتور ضياء الدين الريس : وقد أخذ بعض المؤلفين يميل إلى الشك في شخصية هذا الرجل ( وهو عبد اللّه بن سبأ ) ولكن تعدد الروايات عنه ، وتواتر أنباء الثقات من المؤرخين تؤيد القول بوجوده ، وإن كان محل المبالغة أنه ينسبون إليه كل ما حدث في عهد عثمان ويحملونه تبعته . . . الخ « 1 » . فالدكتور الريس هو واحد من أولئك الذين اشتبه عليهم الأمر فظن تعدد طرق الروايات لقضية ابن سبأ إذ وجدها مذكورة في عدة كتب ولكنه لا يرى صحة ما أحاط بهذه الشخصية من حكايات ، فهو يذهب إلى وجود شخصيته مجردة من المبالغات ، وكل اعتماده في هذا القول هو أن الروايات متعددة ، والأنباء عن ابن سبأ متواترة ، قد نقلها الثقات من المؤرخين . ونحن هنا نستشعر إدراكه للحقيقة وميله إلى الشك بوجود شخصية في التأريخ اسمها عبد اللّه بن سبأ ، غير أنه لا يقوى على الافلات من تأثير الأساليب القديمة وقواعدها والتي أخذت من طبيعة العمل بالرواية واتصالها بالحديث الشريف ، فكان ما يرويه ( الثقات ) قطعيا وإن كان الأمر يتعلق بحوادث أو أفكار أو أشخاص لكل الناس الحق في النظر إليها نظرة واقعية ، ونرى أن واجبنا العلمي يقضي بتوجيه أشعة البحث العلمي لنرى على ضوئه ما كمن في ظلمات الجهالة من حقائق يلزم إبرازها ، وإزالة كل ما يعتريها من خفاء .