المدينة المنورة :
ثم نعود لعاصمة المسلمين المدينة المنورة وفيها المهاجرون والأنصار الذين خاضوا غمار الحرب في سبيل إعلاء كلمة الإسلام ، وفي طليعتهم الإمام علي بن أبي طالب . كيف يصح أن يقال بأنهم استسلموا ولم يقفوا موقف الحزم أمام جيش قاده ابن سبأ ، وقطع به تلك المسافة البعيدة من مصر إلى المدينة ، فيحتلها ، ويقلب نظام الحكم ، ويقتل الخليفة ، ولم يقف المسلمون موقف الدفاع ، لإنقاذ الموقف ودفع هذه الكارثة . ولكن الواقع هو غير هذا ؛ فإن الثورة لم تكن من مصر فقط ، ولم يكن القائد لها ابن سبأ إذ لا وجود له وإنما كانت من المدينة للاستياء العام الذي انتشر في بلاد الإسلام من سوء تصرف الأمويين ، وأعمال مروان خاصة ، مما دعا إلى تداول الرأي بين الصحابة لإصلاح الوضع الراهن كما ذكر ذلك أكثر المؤرخين . ولنترك الحديث للأستاذ أحمد أمين في آخر مؤلف ظهر له وهو ( يوم الإسلام ) يقول أحمد أمين : وقد سار عثمان في السنين الست الأولى سيرة عادلة رحيمة ، ولكنه في الست الأخيرة كانت قد كبرت سنه ، وخضع لأقاربه من الأمويين ، فترك تصرف الأمور لرئيسهم مروان بن الحكم الأموي . . . فاغضب ذلك كثيرا من الصحابة ، وخصوصا عليا والزبير وطلحة وغيرهم ، فأرادوا أول الأمر أن يحرروا الخلافة من هذه السلطة ، فنصحوا عثمان بالاعتزال فأبى ، ولم تمض إلا فترة قصيرة حتى كان عثمان في المدينة ، وليس معه إلا نفر قليل من الأصدقاء ، وكان من أكبر الشخصيات في محاربته وتأليب الناس عليه - عائشة بنت أبي بكر ، واستطاع خصومه جميعا أن يثيروا الأمصار عليه ، واجتمع أهل المدينة حول بيته ، ورفضوا أن يتزحزحوا عنه ، وثار المصريون أيضا لما علموا أن كتابا كتب باسم عثمان إلى عامله عبد اللّه بن أبي سرح يأمره فيه بالفتك بالزعماء عند عودتهم . . « 1 » . ويقول : وكان من أهم ما نقم الناس على عثمان أن طلب منه عبد اللّه بن خالد بن أسيد الأموي صلة فأعطاه أربعمائة ألف درهم ، وأعاد الحكم بن أبي العاص