وأي جناية أعظم من هذه الجناية في هذا التهجم العظيم على رجال الأمة وعظمائها .
ولا ندري ما هو دليل هذا الحكم ، وسند هذه الأقوال . نعم ليس له مصدر إلا الطبري كما سيأتي .
وهذا الكاتب بالأخص - وهو الخطيب - لا يثق بأقوال الطبري إلا بشروط ستقف عليها . ولكن قضية ابن سبأ قد وافقت هوى في نفسه ، فأصبح فيها - كحاطب ليل - خضوعا لهواه .
من أين وإلى أين . . .
إن قضية ابن سبأ قد لاقت هوى في قلوب كثير من الكتاب من مستشرقين وغيرهم فأحاطوها بعناية خاصة ، ومنحوها مزيدا من البيان فأسبغوا عليها ألفاظا براقة خلابة دبجتها أقلامهم وصاروا يقررونها ويرددونها ترديد المؤمن بصحتها الواثق بوقوعها ، وكأنها من الحقائق التي لا تقبل التشكيك ، ولا ينالها النقاش من دون التفات إلى ما وراء الأكمة من الخطر .
وبمزيد الأسف انهم غفلوا أو تغافلوا عن مصدر هذه القضية من أين ابتدأت وإلى أين انتهت بأثرها العظيم وما كان من ورائها من نتائج سيئة وعواقب وخيمة .
فابن سبأ يقولون عنه - كما تقدم - هو مثير الخلافات بين المسلمين وهو مؤسس مذهب يربو على مائة مليون ، وهو البطل الذي استطاع أن يحقق آماله في مصر - بعد أن فشل في غيرها من البلدان الإسلامية - فجمع الجموع ، وتوجه إلى عاصمة المسلمين ، وفيها الخليفة عثمان ليقلب نظام الحكم ، وقد تم له ما أراد كما ذكره الشيخان أبو زهو وأبو زهرة وغيرهما .
وهو الذي سيطر على مشاعر أبي ذر الصحابي الجليل - الذي وصفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالصدق - فأعلن على معاوية إنكاره في احتكار الأموال .
وإن ابن سبأ لقن أبا ذر فكرة مزدك المجوسي الإباحي - نعوذ باللّه من خطل الرأي - .
وإن ابن سبأ استطاع أن يجعل من كبار الصحابة أعضاء لدعوته ، ودعاة لفكرته ، إلى آخر ما أحيطت بهذه القضية من مبالغات ، وهي تزداد على ممر الأيام ولا نعلم إلى