فأين أهل الرأي وذوو الحزم وذوو التفكير ، أكانوا كلهم ( بلهاء ) « 1 » لا يعقلون ؟ ! إن هذا ليس من العقل ولا من المنطق أن تخضع مصر بهذه السرعة وهي الأمة المسلمة ، وفيها أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من ذوي العقول الراجحة ، والفكر الثاقب ، وذوي الخبرة والتجارب . ولنترك الحديث للدكتور طه حسين حول أسطورة ابن سبأ وما فيها من مخالفات للواقع ( باختصار ) . يقول الدكتور في كتابه الفتنة الكبرى عثمان الفصل 14 : وهناك قصة أكبر الرواة المتأخرون من شأنها ، وأسرفوا فيها حتى جعلها كثير من القدماء مصدرا لما كان من الاختلاف على عثمان ، ولما أورث هذا الاختلاف من فرقة بين المسلمين لم تمح آثاره ، وهي قصة عبد اللّه بن سبأ الذي يعرف بابن السوداء . قال الرواة : كان عبد اللّه بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء حبشي الأم فأسلم في أيام عثمان ، ثم جعل يتنقل في الأمصار يكيد للخليفة ويغري به ، ويحرض عليه ، ويذيع في الناس آراء محدثة أفسدت عليهم رأيهم في الدين والسياسة جميعا . . . وإلى ابن السوداء يضيف كثير من الناس كل ما ظهر من الفساد والاختلاف في البلاد الإسلامية ، أيام عثمان ، ويذهب بعضهم إلى أنه أحكم كيده إحكاما ، فنظم في الأمصار جماعات خفية تستتر بالكيد ؛ وتتداعى بينها إلى الفتنة ، حتى إذا تهيأت لها الأمور وثبت على الخليفة فكان ما كان من الخروج والحصار وقتل الإمام . ويخيل إليّ أن الذين يكبرون من أمر ابن سبأ إلى هذا الحد يسرفون على أنفسهم وعلى التاريخ إسرافا شديدا ، وأول ما نلاحظه أنا لا نجد لابن سبأ ذكرا في المصادر المهمة التي قصت أمر الخلاف على عثمان ، فلم يذكره ابن سعد حين قص ما كان من خلافة عثمان ، وانتقاض الناس عليه ، ولم يذكره البلاذري في أنساب الأشراف ، وهو فيما أرى أهم المصادر لهذه القصة وأكثر تفصيلا . وذكره الطبري عن سيف بن عمر وعنه أخذ المؤرخون الذين جاءوا بعده فيما يظهر .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 485
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٨٥
هامش
( 1 ) هكذا يعبر الخطيب المعروف ( بمحب الدين ) .