والناظر فيما سجله كتّاب الفرق حول الآراء والمعتقدات ، وبالأخص ما نسب إلى الشيعة يقطع بأن سيرة هؤلاء الكتّاب هي واحدة في النقل ، بل هي أقرب إلى التقليد والتلقين ، إذ لم نجد منهم من يعالج الموضوع معالجة علمية ، ليخرج بنتيجة مرضية .
وهكذا بقي موضوع الفرق بدون أن يحظى بإنصاف المؤرخين وعناية المحققين ، الذين يهمهم إظهار الحقيقة ، حتى جاء دور المستشرقين فزادوا الطين بلة ، وأضافوا إلى الموضوع تعقيدا بأخطائهم ، وإن أخطاء المستشرقين قد أوقعت كثيرا من الكتاب بأفظع الأخطاء ، لما كانت تندى به أقلامهم من تعابير أو تصوير كلها لا تلتئم مع الحقيقة .
إذ من الواضح أن الاستشراق يرجع كله في نشأته الأولى إلى التبشير بالدين النصراني ، وإن معظم المستشرقين كانوا من الرهبان ، لأن المؤسسات التي أسست للتبشير في النصرانية هي المصدر لهؤلاء المستشرقين ، وهم آلة للحصول على السيطرة ، والقضاء على الإسلام . فهم يحرفون النصوص ويغيرون الصور .
ومن المؤسف له أن أكثر كتّابنا اليوم يطلّون على التاريخ الإسلامي أو تاريخ الفرق بالأخص ، من الزاوية التي فتحها الغرب بواسطة المستشرقين ، وناهيك بما وراء ذلك من صور وألوان مخالفة للحقيقة .
وبهذا أصبح الإطار العام للأحداث هو غير الإطار الذي يجب أن توضع فيه .
وحيث كان موضوع البحث عن الفرق يحتاج إلى دقة وتأمل في سير الحوادث والتطور ، وهو إلى الآن لم ينل - بمزيد الأسف - دراسة عادلة ، وخوضا دقيقا وتمحيصا . فنحن نأمل أن ينال هذا الموضوع دراسة دقيقة ، لإخراج الزوائد ، وإيضاح ما أبهم ، وبيان ما اشتبه بعضه ببعض ، في توجيه أشعة التاريخ الصحيح ، على تلك النسب ، وتدقيق تلك الأقوال ، من حيث صحة أصلها ودقة روايتها ، وكونها في ذاتها قابلة للتصديق ، وكذلك من حيث المستوى العقلي والخلقي والعقائدي لكتّابها ، مع البحث عن الدوافع التي تحوط بها .
وبعد هذا يمكن الحكم على كثير من تلك الأمور بأنها حقيقة ، أو أنها أكاذيب لا واقع لها ، بل هي أحاديث سمر وأقوال مجون .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 43
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٣