وإذا أردنا أن نولي وجه البحث شطر المتعصبين للمذاهب الأربعة بصورة خاصة فإنا نجد هناك ما يبعث على الاستغراب - بل الألم الذي يحز في النفوس - مما أدت إليه سوء الحال خضوعا للعصبية وانقيادا للعاطفة العمياء حتى ( تمسكوا بأقوال أئمتهم تمسكا جعلهم يقدمونها على كتاب اللّه وسنة رسوله ) « 1 » . وأصبحوا ( إذا قيل لهم : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقولون قال ( فلان ) « 2 » أي رئيس المذهب وكانوا يأنفون أن تنسب إلى أحد من العلماء فضيلة دون إمامهم « 3 » . ويقول السيد محمد صديق حسن - حول التمسك بآراء المتأخرين من الفقهاء - : وقد ابتلي بهذه البلية من متأخري المقلدة للمذاهب الأربعة المشهورة فابرزوا من التفريعات والتخريجات ما لا تظله السماء ، ولا تقله الأرض ، ومنذ حدثت هذه البدع رفعت من السنة غالبها ، حتى أن الجاهل من هؤلاء يزعم أن كل مسألة في كل كتاب فقهي من المذهب الحنفي مثلا والشافعي مثلا هي في أم الكتاب . ويتحرج عن العمل بما ثبت من القرآن والحديث صراحة ونصا ، وظاهرا ولا يتحرج عن العمل بما قاله إمامه . ومنهم من يؤول الحديث إلى مؤدى المذهب ، ولا يصرف المذهب إلى مدلول الحديث « 4 » . ويقول أيضا : واتخذوا مقالات الأئمة الكرام ديانة لهم ، ومنهاجا ينهجون إليه ، وشرعة يسلكونها . إذا وقفوا على آية محكمة أو سنة قائمة ، أو فريضة عادلة تخالف مذهبهم صاروا يؤولونها على غير تأويلها ، ويصرفونها عن ظاهرها إلى ما تقرر عندهم من المذاهب والمشارب ، وطفقوا يطعنون على من عمل بفحواها الظاهر ، ومبناها الباهر . مع أن كتاب اللّه سابق على وجود إمامهم ومقالاته ، وسنة رسوله سابقة على هذه المجتهدات « 5 » .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 432
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٣٢
هامش
( 1 ) انظر همم ذوي الأبصار 51 .
( 2 ) توالي التأسيس لابن حجر 76 .
( 3 ) الإعتصام للشاطبي 3 : 259 .
( 4 ) انظر الدين الخالص 3 : 245 .
( 5 ) المصدر السابق 3 : 263 .