وحكى الخطيب عنه : أنّه كان لا يصلي . وقال الإسكندري : الجاحظ كان عثمانيا يتنصب يفضل عثمان على عليّ « 1 » . وقال ابن قتيبة : الجاحظ هو آخر المتكلمين وأحسنهم للحجّة استشارة ، وأشدهم تلطفا لتعظيم الصغير حتى يكبر ، وتصغير العظيم حتى يصغر ، ويبلغ به الاقتدار على أن يعمل الشيء ونقيضه ، ويحتج للعثمانية على الرافضة ، ومرة للزيدية على العثمانية وأهل السنّة ، ومرة يفضل عليا « رضي اللّه عنه » ومرة يؤخره ، ويعمل كتابا يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين ، فإذا صار إلى الردّ عليهم تجوز في الحجة ، كأنّه إنما أراد تنبيههم على ما يعرفون ، وتشكيك الضعفة من المسلمين وتجده يقصد في كتبه للمضاحيك والعبث يريد بذلك استمالة الأحداث وشرّاب النبيذ ، ويستهزىء من الحديث استهزاء لا يخفى على أهل العلم إلى أن يقول : وهو مع هذا من أكذب الأمّة ، وأضعفهم لحديث ، وأنصرهم لباطل « 2 » . هذه صورة عن الجاحظ نقدمها ليقف القارئ على أثر طعنه وتهجمه ، ورميه الأبرياء من الأمة بما ليس فيهم ، فهو غير مستقيم ولا حدّ لتقلّبه وتلوّنه . يختلق الاتهامات ، ويبتدع الأقوال ، ويكذب في نقله . إن الجاحظ موهوب في أدبه ، بارع في تهكمه وسخريته ، له قدرة على تصوير الأشياء التي يخترعها من نفسه ، ولا يهمه أن تتناقض أقواله وتضطرب آراؤه ، فتراه يؤلّف في الأمور المتناقضة ، والأشياء المتفرقة . نرى الجاحظ يميل مع الهوى ويساير الظروف ، فهو إذ يخالف الواقع ويسلم قياده لهواه - تراه في مورد آخر يرجع إلى الحقيقة ويعطيها حقها من البيان ، ويتبين لك تكلفه عند مخالفته للواقع ، وانحرافه عن الصواب ، وله رسائل عديدة متفرقة يستقصي فيها الحجج لنفسه ، ويؤيدها بالبراهين ، ويعضدها بالأدلة فيما يتصوّر من عقله ، وما يوحيه الهوى ، ويفرضه عليه تماجنه وعبثه . ألّف الجاحظ رسائل في أمور متناقضة تشهد على عدم استقامته ، فهو ينتصر للعثمانية ، ويذهب إلى تأخير علي عليه السّلام في الفضيلة ، ويمدح معاوية بن أبي سفيان منتصرا له من علي عليه السّلام وشيعته ، ويذكر إمامة آل مروان وبني أمية بما شاء له الهوى
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 90
مساهمون: اسد حيدر
ص٩٠
هامش
( 1 ) تاريخ آداب اللغة ص 84 .
( 2 ) مختلف الحديث لابن قتيبة ص 71 - 72 .