وإن الناظر إلى تأريخ المذاهب يلزمه أن يروّض نفسه على أن يسير وفق الأمور التي يقتنع بصحتها ، فإن هناك عاطفة وتعصبا ، وهناك سياسة وتدخلا ، وهناك عداء وتحزبا ، فلا بد إذا من الوقوف وقفة المتبصر الطالب للحقيقة ، المتجرد عن التحيّز والتعصّب ، ليسهل عليه أن يقتطف زهرة الحقيقة من بين تلك الأشواك ، ويعرف وجه الصواب ، وتتضح له الأغراض التي كمنت وراء ستار شفاف من المظاهر . لذلك ينبغي أن أشير إلى الصعوبة التي يلقاها الباحث عن المذاهب لوجود عقبات التعصّب ، وترسبات الطائفية ، وأن أكثر من كتب في هذا الموضوع لم يساعده التوفيق على ترويض نفسه لتحمل الصعوبات ، وقد استعرضنا في أبحاثنا هذه إلى كشف الحقيقة وإظهار الواقع ، وإن كنا قد تعمدنا ترك أشياء كثيرة ربما يكون بذكرها احتمال تحامل أو طعن ، ونحن نبرأ إلى اللّه من ذلك ، فلم نقصد إلّا الخدمة للمصلحة العامة ، ومحاربة تلك النعرات التي من ورائها خصومات وتشاجر ، وفرقة وتباعد ، واتهام بالباطل وهضم للحقائق وظلم للتاريخ . وقد رأينا كيف انقسم العلماء في القرن الثاني إلى قسمين : أهل حديث وأهل رأي . وكان أهل المدينة يمثّلون القسم الأول ، وأهل العراق يمثّلون القسم الثاني ، وأصبح لكل جانب أنصار ومتعصّبون ، واشتهر أبو حنيفة بالقياس وقلة الحديث . سئل رقبة بن مسقلة عن أبي حنيفة فقال : هو أعلم الناس بما لم يكن ، وأجهلهم بما كان . وقد روى هذا القول عن حفص بن غياث . يريد أنّه لم يكن له علم بآثار من مضى « 1 » . وأصبح أهل الحديث ينقمون على أهل الرأي ، حتى خرج ذلك النزاع عن حدود المقاييس العلمية ، وبلغ إلى التهاجي والتعصّب ، فكان كل فريق يحاول الانتصار على الآخر ، فهذا يهجو خصمه بشعره ، وذلك يردّ عليه بالمثل ، وتحيز لكل فريق جماعة ، وتعددت عوامل الفرقة حتى أدّى ذلك إلى الطعن في العقائد ، والحط من الكرامات . قال أحمد بن الحسن لأحمد بن حنبل : يا أبا عبد اللّه : ذكروا لابن أبي قتيلة بمكة أصحاب الحديث فقال : أصحاب الحديث قوم سوء . فقال أبو عبد اللّه - وهو
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 512
مساهمون: اسد حيدر
ص٥١٢
هامش
( 1 ) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ص 213 .