واستخرجوها من الأحاديث هي أقوال أبي حنيفة وآرائه ، وبهذا تكوّن المذهب ونسب المجموع إليه . وهكذا مذهب مالك بن أنس فقد تولى نشره سلطان الأندلس ، عندما بلغه ثناء مالك عليه ، وكان يحيى بن يحيى المتوفى سنة 233 ه مكينا عنده ، قال أحمد بن خالد : لم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس - منذ دخلها الإسلام - من الحظوة وعظيم القدر ، وجلالة الذكر ما أعطيه يحيى بن يحيى . وكان السلطان لا يولي قاضيا في أقطار الأندلس إلّا بمشورته واعتباره ، ولا يشير إلّا بأصحابه ، والناس سراع إلى الدنيا . فأقبلوا على ما يرجون به بلوغ ما يرضيهم « 1 » . كما أن مالك نفسه كان مكينا عند العباسيين يصلونه بجوائزهم ، ويرفعون من شأنه ، حتى أن الأمراء كانوا يخشون سطوته ، والحرس يأتمرون بأمره ، بسجن من يريد سجنه ، وإطلاق من يريد إطلاقه ، وكان يحضر عند الوالي ، فيعرض عليه السجن فيأمره بضرب هذا مائة ، وهذا مائتين ، وقطع هذا ، وصلب ذاك « 2 » . وحاول المنصور أن يجعل مالك هو المصدر للتشريع ، فنهى غيره من العلماء عن الإفتاء ، وطلب منه أن يضع كتابا يحمل الناس على العمل به . وقد رأينا فيما سبق أن المنصور قد غضب عليه قبل ذلك لفتوى تخالف غرضه ، فعذّب مالك ، وضرب خمسين سوطا حتى انخلعت كتفه . وهذا ما يدلّنا على أن المنصور يناصر العلماء ما لم تمس تعاليم أحدهم بصالح سلطانه ، فهو يرى أن مركز الخلافة فوق كل شيء ، وقد طارد العلماء الذين انتقدوا أعماله . أما الشافعي - وهو تلميذ مالك ومن عداد أهل الحديث - فقد انتشر مذهبه بمصر بواسطة تلامذته ، ومكانتهم في مجتمعهم ، وقد زاحم مذهبه مذهب مالك حتى تعصب عليه أصحاب مالك فقتلوه شهيدا « 3 » وجاءت الدولة الأيوبية ، وكان ملوكها شافعية ، فناصروا مذهب الشافعي ونشروه ، وبنوا له المدارس ، فأقبل الناس عليه .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 514
مساهمون: اسد حيدر
ص٥١٤
هامش
( 1 ) ابن خلكان ج 2 ص 116 .
( 2 ) مالك بن أنس لأمين الخولي ص 319 .
( 3 ) توالي التأسيس لابن حجر ص 86 .