ينفض ثوبه - ويقول : زنديق ، زنديق ، زنديق ، ودخل البيت « 1 » . وفي ذلك العصر اتسع نطاق النشاط العلمي ، فكان في كل بلد إمام له مذهب ينسب إليه ، ففي الشام مذهب الأوزاعي ، وفي مصر مذهب الليث بن سعد ، وفي الكوفة مذهب سفيان الثوري وابن عيينة ، وغيرها من المذاهب التي انقرضت ولم يكتب لها البقاء . ولكن المذهب الحنفي قد سعد دون غيره برجال دونوا فيه وألّفوا ، وكانت لهم السلطة التشريعية ، فأبو يوسف قاضي قضاة الدولة العباسية كان يتولى نشر المذهب بقوة سلطانه ، ونفوذ أمره . وإذا أردنا أن نقيس شهرة أبي حنيفة في عصره ، ومنزلته في مجتمعه ، فلا يعدو أن يكون واحدا من الشخصيات التي نبغت في ذلك العصر ، بل كان الكثير منهم يفوقه شهرة . ولكنه على مر الزمن أصبح أبو حنيفة يذكر اسمه بالإعجاب في العالم الإسلامي ، ويجب أن يلاحظ . وذلك كنتيجة للعصور المتأخرة ولتلامذة أبي حنيفة ، وعلى الأخص لمحمّد بن الحسن الشيباني . فقد كتبوا كتبا ودونوا فيها كل العلوم والتجارب ، وأضافوها إلى السلف وختموا كل ذلك بخاتم راويهم الأخير وهو أبو حنيفة ، فكان من أجل ذلك عند الأجيال المتأخّرة هو المبدع الوحيد ، والمؤسّس لعلم الفقه وطريقته ، والفقهاء الكبار الذين عاشوا قبله ، والذين عاصروه لا يعرف عنهم شيء ، من أجل نقص الكتب التي تحمل اسمهم . ومن ناحية أخرى فقد كانت مساهمة تلامذة أبي حنيفة في تكوين الروايات وتكميلها غير منفصلة عن عمل أستاذهم « 2 » . وكان لتلامذة أبي حنيفة آراء خاصة ، فإنك تجد في كتب الحنفية أقوال أبي يوسف ، ومحمّد بن الحسن ، وزفر بن الهذيل ، حسب ما يظهر لهم من المعاني والآثار فوافقوا أبا حنيفة في بعضها ، وخالفوه في كثير من الآراء والأقوال ، وقد حاول بعض الحنفية أن يجعل أقوالهم المخالفة لأبي حنيفة أقوالا له رجع عنها ، أو أن أبا حنيفة جعل ما يصح من الحديث مذهبا له ، فتكون أقوال تلامذته التي اجتهدوا فيها
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 513
مساهمون: اسد حيدر
ص٥١٣
هامش
( 1 ) طبقات الحنابلة ج 1 ص 38 .
( 2 ) نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ص 235 .