تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١

نظروا إلى الشيعة والمعتزلة بمنظار واحد ، ولم يفرقوا بينهم حتى قال الذهبي : إن الرفض والاعتزال تصادقا وتواخيا . ولما ضعف الاعتزال وزالت قوته بقي المذهب الشيعي يتمتع بقوته الروحية وصفاته المعنوية منفصلا عن السلطة ، ولم يخضع لها منذ نشأته ، ولم تصدّع الدعايات كيانه ، ولم يهبط عن مستواه بما قوبل به من كتل معادية ، تحاول نزوله عن المستوى الذي هو فيه ، وبقي يصارع الحوادث ، ويتلقى الصدمات ، من أجل الحق . وقد اتجه الحنابلة بكل ما لديهم من قوة لمحاربة الشيعة وإلصاق التهم بهم ، ووصفهم بما لا يليق بهم ، فترى المؤرخين وعلماء الرجال منهم إذا أرادوا أن يؤرّخوا لرجال الشيعة من أهل العلم والأدب ، تجد هناك تقوّلا بالباطل ، ولعل الوقوف على ما كتبه ابن الجوزي وابن كثير وغيرهم شاهد على ما نقول . وقد أفتى البعض منهم بكفر الشيعة ووجوب قتلهم وإبادتهم ، كابن تيمية وغيره « 1 » . وقد توارثت الأجيال تلك النعرة ، وسرت تلك الفكرة في الأدمغة التي تحكّم فيها الجمود ، ووجد أعداء الإسلام في ذلك أكبر عون لحلول الفرقة ، وزيادة العداء والتباعد . وبمزيد الأسف أن بعض المؤلّفين في العصر الحاضر لم ينظروا لتلك الظروف التي نشأت فيها الخلافات ، فتقبّلوا كل ما وجدوه مكتوبا عن تاريخ الشيعة من طعون وتقوّلات ، ولو أنهم وقفوا وقفة مؤرخ منصف لبان لهم الحق . 5 - كان بودي أن أشرح كثيرا من الأمور التي نجمت عن مشكلة خلق القرآن ، ولكني خشيت أن يطول الموضوع وتتسع أطراف البحث . كما كنت أرغب في الحديث عن قبر أحمد وتاريخ غرقه في دجلة ، والإشارة إلى تعظيمه ، ونقل رفات الموتى إليه ، ولكني أرجأت ذلك إلى الأجزاء القادمة إن شاء اللّه .

نظرة عامّة :

ونعود والعود أحمد ، نعود لنلقي نظرة حول المذاهب وانتشارها ، بعد دراسة طويلة ، وبحث واسع مجهد ، وترويض للنفس على تحمّل الصعوبات ، واجتياز العقبات ، التي تحول بين الباحث وبين الوصول إلى الغاية .
هامش
( 1 ) الدرر البهية في مناقب ابن تيمية ص 182 - 191 .