تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
واتخذوا العنف ذريعة لإظهار ذلك التشدد ، وأن مقابلتهم للشيعة ونسبتهم لهم إلى أمور لا تليق بهم قد أثر أثره في انتكاس الحنابلة وعدم انتشار مذهبهم ، لأن أغلبية بغداد هم شيعة والحنابلة قلّة اتخذوا العنف وسيلة لانتصار مذهبهم . ولما قامت الدولة الأيوبية ، كان ملوكها شديدي التعصب للمذهب الشافعي ، فحاربوا غيره من المذاهب ، ولم يسمحوا لغيره من المذاهب إلّا ما كان له من العامة كالمذهب المالكي . وعند ما أخذ نفوذ الدولة الأيوبية يضعف ، أخذ ذلك المذهب ينتشر في مصر ، ولقد جاء في الخطط للمقريزي أنه لم يكن له وللمذهب الحنفي كبير ذكر بمصر في الدولة الأيوبية ولم يشتهر إلّا في آخرها . ولما امتد سلطان العثمانيين أصاب المذهب الحنبلي ضربة قاضية ( لأن العثمانيين كانوا حنفية ) وأخذ ذلك يتضاءل شيئا فشيئا . أما في مصر فلم يكن له أي شهرة هناك ، فقد كان في العصور المتأخرة عدد شيوخ الأزهر 312 شيخا من جميع المذاهب ، وعدد طلابه 9069 ، وكان من بينهم 28 طالبا من الحنابلة و 3 شيوخ منهم فقط ، ولكن ظهر في القرن الثامن عشر ميلادية بصورة قوية جديدة ، بظهور الوهابيين الذين يتبين في مذهبهم أثر تعاليم ابن تيمية ، وقد تطرّفوا في ذلك إلى حد بعيد .

الفقه الحنبلي :

قلنا سابقا إن الإمام أحمد لم يدوّن كتابا فقهيا يأخذ أتباعه عنه مذهبه ، وهو محدث أكثر منه فقيه ، وكان ينهى عن تدوين أقواله وآرائه ، ولكن أصحابه أخذوا آراءه الفقهية من أقواله وأفعاله وأجوبته ورواياته ، فكانوا إذا وجدوا عنه في مسألة قولين عدلوا أولا إلى الجمع بينهما بطريقة من طرق الأصول ، إما بحمل خاص على عام ، أو مطلق على مقيّد ، فإذا أمكن ذلك كان القولان مذهبه ، وإن تعذر الجمع بينهما وعلم التاريخ فقد اختلف أصحابه في ذلك ، فقال قوم : الثاني مذهبه . وقال آخرون : الثاني والأول . وقالت طائفة : الأول وإن رجع عنه . ومن أجل هذا كانت المجموعة الفقهية المنسوبة لأحمد قد اختلفت فيها الأقوال والروايات عن أحمد بكثرة عظيمة ، فإنهم قد يستنبطون من فعل أحمد أو أجوبته قولا لا يدل عليه الجواب أو الفعل ، وقد يحكي آخر خلافه ، لأنه سمع من أحمد ما يناقض