وقد نجحت أساليبهم التي اتبعوها ، والوسائل التي اتخذوها ، لأنها كانت تحمل طابع الحرص على الإسلام ، لتجتذب إلى صفوفهم أناس دفعتهم سلامة ضمائرهم إلى الدفاع عنها وكأنها دفاع عن الإسلام ، ولم تقتصر فئاتهم على هذه الطائفة فقط ، بل انضم في سلكهم انتهازيون وجدوا بذلك خير فرصة لتحقيق أغراضهم ، ونيل مآربهم للوقيعة بخصومهم ، إذ خرجت المنازعات عن حدودها ، فتجنى كل فريق على الآخر ، وأخذ كل أحد يرمي الآخر بالكفر .
وفي وسط ذلك التيار الجارف من الخصومة والعداء ، استطاعت الأغراض والأهواء أن تنفذ إلى الأحاديث النبوية ، وهي إحدى الدعائم التي يقوم عليها الدستور الإسلامي ، ليتم لهم آنذاك التلاعب بمقدرات الإسلام وتوجيهها صوب تحقيق أغراضهم وأهدافهم .
فلقد وضع الوضاعون أحاديث تتفق مع هذه النزعة ، ونسبوها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهم يدعون أن ذلك نصرة للدين ، وتقوية للمسلمين ، فإذا ما حوججوا وأمروا بالكف عن ذلك قالوا : إنما نقول له لا عليه .
وناهيك بما قام به الدعاة على المنابر ، لتوجيه الرأي العام نحو جهة معينة ، وحصر الإسلام عليها ، وتخصيصها به ، فلم يكن فيه نصيب لغيرهم ، ولا في الجنة مكان لسواهم ، وقد غرق الناس في تلك المنازعات الدينية والسياسية مدة طويلة ، حتى امتدت جذور تلك الفتنة إلى عصور متأخرة عن عصر الإمام أحمد ، فاشتد الموقف حراجة ، ووقف كل يتربص بالآخر ، مما أدى إلى نشوب حروب دموية ووقوع الخراب في كثير من البلاد الإسلامية ، فأحرقت جوامع ، وهدمت مساجد ، ونهبت أموال ، وأريقت دماء . إلى غير ذلك من الأمور التي خلفت أوضاعا سيئة ، ومع كل هذا والمجال يتسع أمام المتداخلين في صفوف المسلمين للعمل على تمزيق وحدة الصف واتساع دائرة الخلاف .
يُرِيدُون لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّه بِأَفْواهِهِم واللَّه مُتِم نُورِه ولَوْ كَرِه الْكافِرُون ( 8 ) هُوَ الَّذِي أَرْسَل رَسُولَه بِالْهُدى ودِين الْحَق لِيُظْهِرَه عَلَى الدِّين كُلِّه ولَوْ كَرِه الْمُشْرِكُون
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة الصف آية 8 و 9 .