وأجزل العطاء عليهم ، وكان يجمعهم في مجلس واحد ويقترح عليهم في الأصوات ليطرب ، فمن أطربه نال أسنى الجوائز وأعظم الصلات « 1 » وقد اختار له إسحاق الموصلي من الغناء مائة صوت ، وقد عرفت بالأصوات المائة المختارة ، التي وضع أبو الفرج الأصبهاني فيها كتاب الأغاني « 2 » . كما كانت في بغداد نواد للغناء واللهو ، فيها القيان اللاتي يحسن الغناء ، ويقصدهن الفتيان الظرفاء يتغازلون ويشربون ويلهون . وكان الأمين شديد الطرب إلى الغناء ، واسع العطاء إذا طرب ، وقد وصفه إسحاق الموصلي فقال : ما كان ( أي الأمين ) يبالي أين قعد ومع من قعد ، ولو كان بينه وبين ندمائه مائة حجاب خرقها كلها ، وألقاها عن وجهه حتى يقعد حيث قعدوا ، وكان من أعطى الخلق لذهب وفضة ، وأوهبهم للأموال إذا طرب أو لهى ، وقد رأيته أمر لبعض أهل بيته بحمل زورق ذهبا ، وأمر لي ذات ليلة بأربعين ألف دينار . وحتى في أعسر ساعات حياته عندما أحيط به كان يستمع إلى الغناء . فبينما كانت حجارة المنجنيق تصل بساطه كانت إحدى الجواري تغنيه « 3 » . وقد كان البذخ والإسراف وتبذير الأموال في وجوه الملذات أمر يبعث على الدهشة والاستغراب ، وبلغ الترف إلى أقصى حد . ولم يكن هذا الترف والبذخ يعم طبقات الناس ، بل كان هناك ملايين من أبناء الأمة يعانون الحرمان ، ويقاسون ألم الفاقة ، ومنهم المظلومون الذين جار عليهم جباة الأموال فسلبوهم ما يسدّون به الحاجة ، ومنهم من غصبهم السلطان وأعوانه أموالهم وضياعهم ، ولا يجدون من يسمع أصواتهم إذا رفعوها بالتظلم ، كما ليس لهم طمع في رد ظلامتهم . وسار العمال في إرهاق الرعية على الوجه الذي يخالف نظام الإسلام ، فأصبحت الأموال تجبى بأقسى وسائل الظلم ، وتصرف في ضروب من الإسراف وأنواع من الترف .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 467
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٦٧
وظهرت في عصر أحمد العصبية العنصرية ، فاشتد النزاع بين العرب والفرس
هامش
( 1 ) مروج الذهب ج 3 ص 278 .
( 2 ) الأغاني ج 1 ص 1 وما بعدها .
( 3 ) التاج ص 42 - 43 .