والترك ( وكان العرب قد ضعف أمرهم في نزاع مع الفرس ، فجاءت قوة الترك ضغثا على إبالة ) .
واستولى الأتراك على الأمور عندما كثر جمعهم وعظمت شوكتهم ، وبدأت العصبية ضد الأتراك من عهد دخولهم بغداد في عهد المعتصم ، وشكى إليه الناس من جورهم وسوء تصرفهم ، وقد هجاه دعبل الخزاعي بقوله :
لقد ضاع أمر الناس حيث يسوسهم * وصيف واشناس وقد عظم الخطب
وإني لأرجو أن ترى من مغيبها * مطالع شمس قد يغص بها الشرب
وهمك تركي عليه مهانة * فأنت له أم وأنت له أب
واشتدت محنة أهل بغداد من عبث الأتراك وتعسفهم ، وكانوا لا يستطيعون مقابلتهم ، لأن السلطان قد لحظهم بالعناية وجعلهم محل ثقته ، حتى بلغ الأمر بالمعتصم أنه كتب إلى واليه على مصر ، وهو كيدر - واسمه نصر بن عبد اللّه - يأمره بإسقاط من في الديوان من العرب وقطع أعطياتهم .
وعلى أي حال : فقد أصبحت الأمور في يد الأتراك ، وأصبحوا مصدر قلق واضطراب ، فهم يكرهون العرب ، وهم أنفسهم ليسوا في وفاق بعضهم مع بعض ، وهم لا ينقطعون عن المؤامرات والدسائس ، وتعصب كل فريق لقائد منهم ، وبهذا أصبحت دار السلام وما حولها ليست دار سلام ، إذ غلبت على ذوي السلطة شهواتهم الآثمة ، فلا تطرق سمعهم صرخات المفجوعين ولا استغاثة المتظلمين ، ولا ينفذ بصرهم إلى ما يعانيه ذلك المجتمع المنكوب الذي دب في جسمه داء الجهل والفوضى وحب الشهوات ، وهم ساهون يعدّون أنفسهم سعداء في شقاء الأمة وأغنياء بافتقارها .
وقد ثارت في عصر الإمام أحمد عاصفة العداء بين الطوائف ، واشتدت الخصومة بينها . مما أدت إلى حلول الكراهية ووقوع الشر بين أفراد وطبقات المجتمع آنذاك .
وكان المحدثون يغذون روح الكراهية تجاه أعدائهم وخصومهم ، فذهبوا إلى تكفير المعتزلة وكل من يقول بخلق القرآن . إذ يقول أبو عبد اللّه الدهلي المتوفى سنة 255 ه : من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر وبانت منه امرأته ، فإن تاب وإلّا ضربت عنقه ، ولا يدفن في مقابر المسلمين . ومن وقف وقال : لا أقول مخلوق أو غير