( إن خليفة المسلمين واجب عليه حفظ الدين وإقامته ، والعمل بالحق في الرعية ، وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية ، وسفلة العامة ، ممن لا نظر له ولا روية ، ولا استدلال له بدلالة اللّه وهدايته ، ولا استضاء بنور العلم وبرهانه ، في جميع الأقطار والآفاق أهل جهالة باللّه وعمى عنه ، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده ، والإيمان به ، ونكوب عن واضحات أعلامه ، وواجب سبيله ، وقصور عن أن يقدروا اللّه حق قدره ، ويعرفونه كنه معرفته ، ويفرقوا بينه وبين خلقه ، لضعف آرائهم ونقص عقولهم ، وجفائهم عن التفكر والتذكّر ، وذلك أنّهم ساووا بين اللّه تبارك وتعالى وما أنزل من القرآن ، فأطبقوا مجتمعين على أنه ( أي القرآن ) قديم أزلي لم يخلقه اللّه ويحدثه ويخترعه .
وقد قال اللّه عزّ وجل في محكم كتابه الذي جعله لما في الصدور شفاء ، وللمؤمنين رحمة :
إِنَّا جَعَلْناه قُرْآناً عَرَبِيًّا
فكل ما جعله اللّه فقد خلقه .
وقال :
الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي خَلَق السَّماوات والْأَرْض وجَعَل الظُّلُمات والنُّورَ
.
وقال عز وجل :
كَذلِك نَقُص عَلَيْك مِن أَنْباءِ ما قَدْ سَبَق
.
فأخبر أنه قصص لأمور قد أحدثها ، وتلا به متقدمها ، فقال تعالى :
كِتاب أُحْكِمَت آياتُه ثُم فُصِّلَت مِن لَدُن حَكِيم خَبِيرٍ
وكل محكم مفصل ، واللّه محكم كتابه ومفصله ، فهو خالقه ومبتدعه ، ثم هم الذين جادلوا بالباطل فدعوا إلى قولهم ، ونسبوا أنفسهم إلى السنّة ، وفي كل فصل من كتاب اللّه قصص من تلاوته ، مبطل قولهم ومكذب دعواهم ، يرد عليهم قولهم ونحلتهم ، ثم أظهروا ذلك أنّهم أهل الحق والدين والجماعة ، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر والفرقة ، فاستطالوا بذلك على الناس ، وغرّوا بهم الجهال ، حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب ، والتخشع لغير اللّه ، والتقشف لغير الدين ، إلى موافقتهم عليه ، ومواطأتهم على سيئ آرائهم ، تزينا بذلك عندهم ، وتصنعا للرئاسة والعدالة فيهم ، فتركوا الحق إلى باطلهم ، واتخذوا دون اللّه وليجة إلى ضلالتهم ) .
ثم ذكر أن هؤلاء قد زكوا أمثالهم ، وقبلت شهادتهم ، ونفذت الأحكام بهم ، مع دغل دينهم وفساد عقيدتهم :
( وأولئك شرّ الأمة ، ورءوس الضلالة المنقرضون من التوحيد ، وأحق من يتهم