ونهى عن العمل لهم حتى في بناء المساجد وكراية الأنهر ، وعند ما سئل عن ذلك أجاب بقوله : « ما أحب أن أعقد لهم عقدة ، أو وكيت لهم وكاء » .
ويقول عليه السّلام : « العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء » .
ويقول عليه السّلام : « من أعان ظالما على مظلوم لم يزل اللّه عليه ساخطا حتى ينزع عن معونته » .
ولم يهن على الدولة كل هذه الأمور التي تقف في سبيل تحقيق أهدافها ، كما عظم عليها اختصاص مدرسة الإمام بطابع الانفصال عن الدولة ، فلم يمكنهم التدخل في شؤونها ، أو تكون لهم يد في توجيهها ، وتطبيق نظامها ، ولم تكن بينها وبين الدولة رابطة من روابط الإلفة والانسجام ، ومعنى ذلك عدم الاعتراف بشرعية الدولة ، وأنّها دولة جائرة لا يمكن الركون إليها ، وإن تظاهر الحكام بالمحافظة على المبادئ الإسلامية ، فتلك أمور سياسية لا واقع لها في نفس الواقع .
وكما قدمنا بأن الصراع بين مدرسة الإمام وبين الدولة يشتد على مر الأيام ، وقد اتخذت أنواع الأساليب ، واستعملت شتى الحيل لإخضاع تلك المدرسة لأوامر الدولة ، والسير في ركابها ، فلم تنجح الوسائل ولم تنفع الأساليب . وهكذا يستمر هذا الصراع عبر الدهور ومدرسة الإمام الصّادق عرضة لأخطار النقمة ، وهدفا لسهام الاتهام ، وقد رمي المنتمون إليها بالزندقة والإلحاد والخروج على سلطان اللّه ، وذلك طبقا لمنطق السياسة .
ولعل الرجوع إلى ما كتبناه سابقا عن هذا الصراع ، يغني عن الإسهاب في ذلك ، فإنا قد ذكرنا هناك عوامل انتشار المذاهب ، ومقومات شخصيات رؤسائها ، وأن العامل الوحيد هو قوة السلطان ومناصرة الدولة ، كما أشرنا إليه في البحث عن عوامل المذهب الحنفي ، والمالكي ، والشافعي . والآن نشرع في ذكر المذهب الرابع ، وهو الحنبلي ، فلننقل بك أيها القارئ الكريم إلى دراسة صحيحة عن حياة رئيس المذهب الحنبلي - الإمام أحمد بن حنبل - لنرى على ضوء المعلومات التاريخية ، مقومات شخصيته ، وعوامل انتشار مذهبه ، واللّه المسدد للصواب .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 423
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٢٣