ثم استعرض خلق السمك ومشاكلته للأمر الذي قدر أن يكون عليه فيقول : « فإذا أردت أن تعرف سعة حكمة الخالق ، وقصر علم المخلوقين ، فانظر إلى ما في البحار من ضروب السمك ، ودواب الماء ، والأصداف ، والأصناف ، التي لا تحصى منافعها إلّا الشيء بعد الشيء ، يدركه الناس بأسباب تحدث » .
ثم ينهي كلامه على وحدانية واجب الوجود .
المجلس الثالث في ذكر السماء :
قال عليه السّلام بعد أن تحدث عن السماء ولونها ، وما فيها من صواب التدبير وعظم الحكمة : « فكر يا مفضل في طلوع الشمس وغروبها ، لإقامة دولتي الليل والنهار ، فلو لا طلوعها لبطل أمر العالم كله ، فلم يكن الناس يسعون في معاشهم ويتصرّفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم ، ولم يكن يتهنئون مع فقدهم لذة النور وروحه ، والإرب في طلوعها ظاهر ، مستغن بظهوره عن الاطناب في ذكره والزيادة في شرحه ، بل تأمل المنفعة في غروبها ، فلو لا غروبها لم يكن للناس هدوء ولا قرار ، مع عظم حاجتهم إلى الهدوء والراحة ، لسكون أبدانهم ووجوم حواسهم ، وانبعاث القوة الهاضمة لهضم الطعام وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء ، ثم كان الحرص يستحملهم من مداومة العمل ومطاولته ، على ما يعظم نكايته في أبدانهم ، فإن كثيرا من الناس لولا جثوم هذا الليل لظلمته عليهم لم يكن لهم هدوء ولا قرار ، حرصا على الكسب والجمع والادخار ، ثم كانت الأرض تستحمي بدوام الشمس ، وتحمي كل ما عليها من حيوان ونبات ، فقدّرها اللّه بحكمته وتدبيره ، تطلع وقتا وتغرب وقتا » .
ثم تعرض لبعض العقاقير وخواصها ومنافعها إلى آخر الفصل .
المجلس الرابع في ذكر آفات الدهر :
تحدث فيه عليه السّلام عن الآفات الحادثة في بعض الأزمان التي اتخذها الناس من الجهال ذريعة إلى جحود الخالق والخلق ، وأنكرت المعطلة والمانوية من المكاره والمصائب وما أنكروه من الموت والفناء ، إلى أن انتهى في البيان إلى الخالق في شبه الملحدين ، إلى آخر بيانه ونير برهانه ، وقال في آخر كلامه للمفضل : « خذ ما آتيتك وكن للّه من الشاكرين ، فقد شرحت لك من الأدلة على الخلق ، والشواهد على صواب التدبير ، قليلا من كثير ، وجزءا من كل ، فتدبره وفكر فيه واعتبر به » .