تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
وجهل من قائله ، لأن الإهمال لا يأتي بالصواب ، والتضاد لا يأتي بالنظام ، تعالى اللّه عما يقول الملحدون علوا كبيرا » . ثم قال عليه السّلام : « ولو كان المولود يولد فاهما عاقلا لأنكر العالم عند ولادته ، ولبقي حيران تائه العقل إذا رأى ما لم يعرف ، وورد عليه ما لم ير مثله ، من اختلاف صور العالم من البهائم والطير ، إلى غير ذلك مما يشاهده ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم . ثم لو ولد عاقلا كان يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولا مرضعا ، معصبا بالخرق مسجى في المهد لأنه لا يستغني عن هذا كله لرقة بدنه ورطوبته حين يولد ، ثم لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل ، فصار يخرج إلى الدنيا غبيا غافلا عما فيه أهله ، يتلقى الأشياء بذهن ضعيف ، ومعرفة ناقصة ، ثم لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا قليلا ، وشيئا بعد شيء ، وحالا بعد حال ، حتى يألف الأشياء ويتمرن ويستمر عليها ، فيخرج من حد التأمل لها والحيرة فيها إلى التصرّف والاضطرار إلى المعاش بعقله وحيلته ، وإلى الاعتبار والطاعة ، والسهو والغفلة والمعصية ، وفي هذا أيضا وجوه أخر : فإنه لو كان يولد أتم العقل مستقلا بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد ، وما قدر أن يكون للوالد في الاشتغال بالولد من المصلحة ، وما يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكافأة بالبر ، والعطف عليهم عند حاجتهم إلى ذلك منهم ، ثم كان الأولاد لا يألفون آباءهم ، ولا يألف الآباء أبناءهم ، لأن الأبناء إذا كانوا يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم ، فيتفرقون عنهم حين يولدون ، فلا يعرف الرجل أباه وأمّه » . ثم ذكر عليه السّلام فوائد البكاء للطفل ، وساق البيان إلى ذكر أعضاء البدن على الشكل الموجود . فقال المفضل : يا مولاي إن قوما يزعمون أن هذا من فعل الطبيعة . فأجابه الإمام عليه السّلام : « سلهم عن هذه الطبيعة أهي شيء له علم وقدرة على هذه الأفعال ؟ أم ليست كذلك ؟ فإن أوجبوا لها العلم والقدرة ، فما يمنعهم من إثبات الخالق ، فإن هذه صفته ، وإن زعموا أنّها تفعل هذه الأفعال بغير علم ولا عمد ، وكان في أفعالها ما قد تراه من الصواب والحكمة ، علم أن هذا الفعل للخالق الحكيم ، وأن الذي سموه طبيعة هو سنته في خلقه الجارية على ما أجراه عليه » . ويستمر عليه السّلام في بيان وصول الغذاء إلى البدن ، وكيفية انتقال صفوه من
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 408 | اسد حيدر