ذلك بأن الباصرة لا تكون في حيز الممكنات ما لم تتصل أشعة البصر بالمرئي ويمتنع اتصال شيء بذاته جل وعلا . ولما اشتهرت مقالة المفوضة : وهم الذين يقولون بتفويض الأفعال إلى المخلوقين ، ورفعوا عنها قدرة اللّه وقضاءه ، عكس المجبرة الذين أسندوا الأفعال إليه تعالى ، وأنه أجبر الناس على فعل المعاصي ، وأجبرهم على فعل الطاعات ، وأن أفعالهم في الحقيقة أفعاله ، فكان أثر هاتين الفكرتين سيئا في المجتمع الإسلامي . فتصدى الإمام عليه السّلام لرد هؤلاء ، وأعلن العقيدة الصحيحة في جوابه البليغ ورده الشهير وهو قوله : « لا جبر ولا تفويض ، ولكن أمر بين أمرين » . وخلاصته : أن أفعالنا - من جهة - هي أفعالنا وتحت قدرتنا واختيارنا ، ومن جهة أخرى هي مقدورة للّه تعالى ، داخلة تحت سلطانه فلم يجبرنا على أفعالنا ، حتى يكون قد ظلمنا في عقابنا على المعاصي ، لأن لنا القدرة على الاختيار في ما نفعل ، ولم يفوض إلينا خلق أفعالنا حتى يكون قد أخرجها عن سلطانه ، بل له الخلق والأمر وهو قادر على كل شيء ومحيط بالعباد . وبهذا تعتقد الشيعة ، ومذهبهم وسط بين المذهبين كما بيّنه أئمة الهدى ودلت عليه كلمة الإمام الصّادق عليه السّلام في جوابه هذا . وقال محمّد بن عجلان : قلت لأبي عبد اللّه الصّادق : فوض اللّه الأمر إلى العباد ؟ فقال عليه السّلام : « اللّه أكرم من أن يفوض إليهم » . قلت : فأجبر العباد على أفعالهم ؟ فقال عليه السّلام : « اللّه أعدل من أن يجبر عبدا على فعل ، ثم يعذبه عليه » . وبلغه عليه السّلام مقالة الجعد بن درهم « 1 » وهي أنه جعل في قارورة ترابا وماء ، فاستحال دودا وهواما ، فقال الجعد : أنا خلقت هذا لأني سبب كونه .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 402
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٠٢
هامش
( 1 ) الجعد بن درهم : أصله من خراسان ، ويقال أنه من موالي بني مروان ، سكن دمشق وكانت له بها دار ، وإليه ينسب مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية ، لأنه كان معه أو مؤدبه ، فيقال : مروان الجعدي ؛ والجعد هو أول من أظهر القول بخلق القرآن ، وقد غضب عليه بنو أمية فتطلبوه وهرب إلى الكوفة ، فقبض عليه خالد القسري فقتله يوم الأضحى سنة 124 ه وقال للناس : ضحوا يقبل اللّه منكم فإني مصح بالجعد . فنزل إليه وذبحه تحت المنبر .