ثم قال : « يا معاوية إن محمّدا لم ير الرب تبارك وتعالى بمشاهدة العيان ، وإن الرؤية على وجهين : رؤية القلب ورؤية البصر ، فمن عنى برؤية القلب فهو مصيب ، ومن عنى برؤية البصر فقد كفر باللّه وآياته ، لقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : من شبّه اللّه بخلقه فقد كفر . ولقد حدّثني أبي عن أبيه عن الحسين بن علي عليهما السّلام : سئل أمير المؤمنين عليه السّلام فقيل له : يا أخا رسول اللّه هل رأيت ربك ؟
فقال : وكيف أعبد من لم أره ؟ لم تره العيون بمشاهدة العيان ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ، فإذا كان المؤمن يرى ربه بمشاهدة البصر فإن كل من جاز عليه البصر فهو مخلوق ، ولا بد للمخلوق من الخالق . فقد جعلته إذن محدثا مخلوقا ، ومن شبهه بخلقه فقد اتخذ مع اللّه شريكا . ويلهم أو لم يسمعوا بقوله تعالى :
لا تُدْرِكُه الْأَبْصارُ وهُوَ يُدْرِك الْأَبْصارَ وهُوَ اللَّطِيف الْخَبِيرُ
وقوله :
لَن تَرانِي ولكِن انْظُرْ إِلَى الْجَبَل فَإِن اسْتَقَرَّ مَكانَه فَسَوْف تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّه لِلْجَبَل جَعَلَه دَكًّا
وإنما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من سم الخياط ، فدكّت الأرض ، وصعقت الجبال ، فخرّ موسى صعقا ، فلما أفاق قال : سبحانك تبت إليك من قول من زعم أنك ترى ، ورجعت إلى معرفتي بك ، إن الأبصار لا تدركك ، وأنا أول المؤمنين وأول المقرين بأنك ترى ولا ترى وأنت بالمنظر الأعلى » .
ثم قال عليه السّلام : « إن أفضل الفرائض وأوجبها معرفة الرب ، والإقرار له بالعبودية ، وحد المعرفة أن يعرف أنه لا إله غيره ، ولا شبيه له ولا نظير ، وأن يعرف أنه قديم مثبت موجود غير مقيّد ، موصوف من غير شبيه ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وبعده معرفة الرسول والشهادة بالنبوة » .
وله عليه السّلام كثير من الحجج في الرد على من جوّزوا الرؤية للّه في البصر سواء في الدنيا أو في الآخرة ، لأنهم اختلفوا في ذلك ، إذ جوّزها قوم في الدنيا والآخرة ، ومنعها آخرون في الدنيا وأجازوها في الآخرة ، كما هو مذهب الشافعي .
وذهب أهل البيت عليهم السّلام إلى استحالة الرؤية في الدنيا والآخرة ، وعدم إمكانها مطلقا لأنه تعالى
لا تُدْرِكُه الْأَبْصارُ وهُوَ يُدْرِك الْأَبْصارَ وهُوَ اللَّطِيف الْخَبِيرُ
« 1 » . لأن الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلا أو تابعا ، كالأجسام والهيئات ، وعلل
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 102 .