الإمام الصّادق أجوبة ومناظرات
تمهيد :
تقدم القول أن عصر الإمام الصّادق عليه السّلام كان عصر مجادلات ونظر ، إذ اتسعت فيه دائرة الخلافات العقائدية ، وانتشرت فيه المقالات المختلفة ، وظهرت هناك عقائد ومذاهب لا تتمشّى مع روح الإسلام ، كما أن شبه الزنادقة والملحدين قد ظهرت بصورة علنية ، ووجد يومئذ من ينكر وجود اللّه ، مستعينا على إثبات وجهة نظره بالمنطق اليوناني ، إذ ظهرت نتائج التفاعل الفكري بين المسلمين وحضارة اليونان ، وانتشرت مبادئ المنطق اليوناني والفكر الإغريقي .
ودار الجدل والنقاش حول مسائل أهمّها مسألة التشبيه والتجسيم والصفات ومسألة تحمل الإنسان مسؤولية عمله ، أو رفع كل مسؤولية عنه ، وبراءته من كل إثم ، إلى غير ذلك من المسائل : كقدم العالم وحدوثه ، وفكرة العدل ، والكبائر ، مما هو مذكور في أمهات الكتب من الخلافات عندما ظهرت التيارات المختلفة ، التي ارتسمت في آفاق الفكر الإسلامي .
وقد رأينا فيما سبق موقف الإمام في ردّ تلك المزاعم ، ودفع تلك الشبهات ، وأول ما كان يسعى إليه هو إثبات وجود اللّه ووحدانيته ، وعلاقة صفاته به ، بأدلة عقلية مبتنية على أسس منطقية صحيحة ، يحاول فيها إظهار الحق ، وكشف الحقيقة بما أوتي من مواهب غزيرة ، ومقدرة على البيان ، فمرة يأتي بأوجز بيان في برهانه مع الوفاء بالقصد ، وأخرى يطنب في الدليل ويوضح الحجة ، ويسترسل في البيان كما في توحيد المفضل وغيره ، فمن إيجازه حينما يسأل عن الدليل على الخالق يقول عليه السّلام : « ما بالناس من حاجة » .