شاهدة على وجودها وما كانت مجزرة الحرّة إلّا جولة من جولات المواجهة بين الإسلام وبقايا الشرك . وما مأساة كربلاء إلّا صفحة أخرى من صفحات الحرب بين أئمة الإسلام وبين المتلبسين بلبوس الدين لإخفاء وثنيتهم وشركهم ، فكان دورهم فتحا لتلك العناصر المعادية للإسلام ، فقد سنحت الفرصة وكان لهم في الأمر متسعا ، وقد قرّب الأمويون إليهم بعض المتداخلين في صفوف المسلمين ، وجعلوا منهم أداة سياسية يستعينون بها على ترويج دعاياتهم ، وإظهار مقاصدهم ، كما أقام معاوية بن أبي سفيان كعب الأحبار - وهو يهودي أسلم في عهد عمر - قصاصا . فغيّر مجرى الحوادث والتاريخ وأدخل الإسرائيليات في تاريخ الإسلام .
وعلى كل حال فلا تعنينا حركة خصوم الإسلام في العهد الأموي ، الذي كان مسرحا تظهر على لوحته الأمور المتناقضة للإسلام ، والمخالفة لمبادئه ، وإنما الأمر الذي يهمّنا هو التعرّض لحركتهم في عصر الإمام الصّادق عليه السّلام وأثر براءته منهم ، وإعلان ذلك للملإ ، وكيف أثر ذلك في إبادتهم ومحوهم من صفحة الوجود ، ولم يبق منهم إلّا صورا خيالية ينظر إليها من أكل الغيظ قلبه .
الدعوة الإسلامية وخصومها :
تبيّن مما قدّمناه في هذه الأبحاث أن الدعوة الإسلامية قد ثقلت على كثير من ذوي النفوس المريضة من مختلف العناصر وشتى الطوائف ، وقد قابلوا ذلك بالعداء السافر والحرب الدموية ، ولما عجزوا عن المقابلة للإسلام وجها لوجه ، التجئوا إلى الحرب السرية ، وحمل معاول الهدم والتخريب ، واستعمال الوسائل التي تدعو إلى إثارة الفتنة بين المسلمين ، وقد وجدوا أن أقرب طريق يوصلهم إلى غاياتهم وتحصيل أمنيتهم هو التدخّل في صفوف المسلمين ، والعمل على تفريق الكلمة وبث روح العداء ، وتفرّقوا لهذا الغرض فرقا وأحزابا ، فمن مستجلب ود السلطة لينال مركزا هاما في الدولة يستطيع بواسطته أن يفسد بعض الأمور ويغيّر بعض الحقائق .
ومنهم من سلك طريق إظهار المحافظة على الإسلام ، والانتصار له ، والرد على ما يلصقه به إخوانه ، الذين سلكوا سبيله في تشويه سمعة الإسلام .
ومنهم من ضرب على وتر حسّاس يستطيع به أن يستميل القلوب ، ويحرك الشعور ، وهو إظهار حب أهل البيت عليهم السّلام الذين تألّبت جميع الفئات الحاكمة على ظلمهم من دون مراقبة للّه ولا مراعاة لحرمة رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .