وابتعاده في البحث عن التقليد الأعمى ، والتعصّب الطائفي الذي جرّ على هذه الأمة ، بلاء الفرقة ومحن البغضاء والتطاحن . إن أكثر المؤرخين لم يدرسوا الظروف التي نشأت فيها طوائف الغلاة ، ولم يعرفوا أسباب ذلك ، كما أنّهم لم يقفوا على العوامل التي بعثت النشاط في دعوتهم فأثرت أثرها في تفريق الصفوف ، وإيقاد نار البغضاء في القلوب ، وإثارة الفتن في المجتمع ، ولو أن أولئك المؤرخين الذين ربطوا تاريخ الغلاة بتاريخ الشيعة واستعملوا الأقيسة المعكوسة ، ودرسوا ظروف نشأة تلك الأفكار ، وأسباب ذلك الاعتقاد ، وبواعث ذلك النشاط ، لوجدوا أنفسهم خاطئين في سلوكهم ، بعيدين عن الواقع ، ولا تضح لهم البون الشاسع ، بين الغلاة وبين الشيعة ، وبذلك تظهر الحقيقة في البحث - إن كانوا يطلبونها - وإذا ظهرت الحقيقة بطلت الأوهام . وقد قلت سابقا إن خصوم الإسلام في عصر الإمام الصّادق عليه السّلام قد عظم عليهم موقفه في نشر الدعوة الإسلامية ، عندما نشطت الحركة العلمية ، حيث اتجه الناس إلى التدوين والبحث ، وظهر علم الكلام والفلسفة ، وبرزت مدرسة الإمام الصّادق عليه السّلام في نشر العلم وبث تعاليم الإسلام ، وكثر المنتمون إليها ، وانتشر ذكرها في جميع الأقطار الإسلامية ، وقام أصحابه بأداء الرسالة ، وكان للكوفة النصيب الأوفى من حملة العلم ، ورجال الإصلاح ، المنتسبين لتلك المدرسة ، فكان عددهم يربو على الألف ، منهم تسعمائة محدّث في مسجد الكوفة ، كل يقول : حدّثني جعفر بن محمّد . وحيث كانت الكوفة مركزا هامّا للتجارة والصناعة ملحوظا في حياة المجتمع الإسلامي في القرن الأول الهجري ، وازدهرت فيها المنسوجات الحريرية وهي ما سموها عمل الوشي والخز ، وكانت هذه المصنوعات تلقى رواجا في الأقطار الإسلامية « 1 » وكانت محاطة بقرى كثيرة ، وفيها من غير المسلمين عدد كبير كالنصرانية في الحيرة وغيرها ، ووفد عليها أربعة آلاف من رعايا الفرس عرفوا بحمراء الديلم « 2 » كما كثرت الهجرة إليها من الأقطار النائية من ذوي العقائد الفاسدة والآراء الشاذة ،
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 352
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٥٢
هامش
( 1 ) الأغاني ج 2 ص 172 .
( 2 ) فتوح البلدان للبلاذري ص 289 .