تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤

والمساواة الشاملة ، وهدم الفروق الظالمة بين الناس ، وسوى بينهم في الحقوق والواجبات ، وقرّر أن أصل الإنسان واحد والجميع أخوة في الإنسانية ، فلا فضل لأحد على أحد إلّا بالتقوى ، وجاء بأحكام شاملة لم يستثن منها إنسانا ولا طائفة ، بل الكل سواء في تطبيقها ، وكان طبيعيا أن تصطدم تلك المبادئ بعادات العرب القديمة التي ورثوها عن الآباء والأجداد شأن كل دعوة ناشئة ، كما أزعجتهم سرعة انتشار الدعوة في قلوب الناس . وقد أحست العناصر الأخرى بخطر دعوة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فرمقت ما كسبه الإسلام من تقدم وانتشار بعين الحقد والحسد ، وكانت للنصرانية قوة في الشمال ولها أتباع منبثّون في مهد الدعوة ، ولليهود عدة قوية في بلد الهجرة ، وللمجوس دولة ومعابد ، وكل هذه العناصر لا يروق لها انتشار هذا الدين وظهوره ، فتظاهر الكل بالعداء للإسلام ، وانتظم عقدهم وتكتلوا لحرب محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومعارضة دعوته ، وبذلوا جهودهم ، وعملوا أقصى ما يمكن أن يعملوه ، فكانت هناك حروب دامية وغزوات متوالية بينه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وبين المشركين ومن انتظم في عقدهم ، حتى نصر اللّه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فتيقنوا أن لا أمل لهم مطلقا في القضاء على الإسلام ، فهو يزداد قوة وثباتا رغم المعارضة في الحروب الدامية . ودخل البعض منهم في الإسلام اعترافا بعجزهم عن مقاومته ، وآخرون اعتقدوا صدق نبوة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فاستجابوا له ، وفئة ثالثة دخلوا نفاقا وخداعا فأظهروا الإسلام وأضمروا الكفر ، وبقي الحقد يأكل قلوبهم والغيظ يحز في نفوسهم ، فهم يتحيّنون الفرص ويتأهّبون للوثبة ، ويعملون من وراء الستار ، وينتظرون اليوم الذي ينتقمون فيه من الإسلام وأهله . وبعد أن عجزوا عن مقابلة الإسلام وجها لوجه راحوا يعملون من وراء الستار بأيد عابثة ، ولعل أول عهد حقق آمالهم هو العهد الأموي ، لأن ملوكهم قد رفضوا الخضوع لقوانين الإسلام ، ولم يلتزموا بتعاليمه ، كما أنّهم من المغلوبين على أمرهم يوم أعلنوا الحرب على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وكانت قيادة تلك العناصر المختلفة بيد زعيمهم أبي سفيان « 1 » وبهذا لا يمكننا أن نجزم بزوال تلك الأحقاد عن قلوبهم ، وإن أعمالهم

هامش
( 1 ) يقول الدكتور علي سامي النشّار : ( ولا شك أن الأمويين كانوا في أعماقهم جزءا من مؤامرة كبرى على الإسلام ، ولم يذهب على الإطلاق حقد جدهم الغنوصي القائم ، ولم يكن أبو سفيان وثنيا بل كان مانويا وزرع الحقد الدفين في عقولهم وقلوبهم ) .