واختلطوا بمجتمع الكوفة ، فكان نشاطهم محسوسا في استغلال الفرصة لبث آرائهم ونشر عقائدهم ، وربطها بالعقائد الإسلامية عن طريق الخداع والتضليل حقدا على الإسلام وأهله ، واندس البعض منهم في حلقات العلم مدّعيا انتماءه لمدرسة الإمام الصّادق ، وهم يكذبون عليه فيما ينسبونه إليه ، وغرضهم في ذلك هو الطعن على أهل البيت ، وتشويه سمعة أوليائهم ، لكي ينفروا القلوب ، ويثيروا البغضاء ، لتقع الفرقة بين صفوف المسلمين .
فكان الأجدر بالمؤرخين والكتّاب أن يتحرّوا حقيقة الأشخاص الذين بثوا تلك الأفكار ودعوا إلى تلك العقائد ، ويخضعوا أقوالهم وأفعالهم للنقد والتمحيص حتى يتبيّنوا الدوافع والأغراض التي تكمن وراء نشاطهم . وإن استعصى عليهم ذلك فما أسهل الإصغاء إلى مواقف أئمة الشيعة وآراء رجالهم في دحض تلك الآراء وفضح تلك العقائد .
أسباب نشأة الغلاة :
ويجب أن لا يغيب عن بالنا سبق هذا العداء للإسلام وقدمه قبل عصر الإمام الصّادق عليه السّلام فهو متأصل منذ فجر الدعوة الإسلامية يتوارثه الأبناء والأحفاد ، وذلك لأن دعوة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم منذ البداية موجهة إلى الناس كافة ، سواء منهم العرب وغير العرب ، وثنيون أو يهود ، نصارى أو مجوس ، فهي لم تختص بطائفة دون أخرى ، ولا بقوم دون قوم ، ولا بقطر دون آخر ، بل هي رسالة عامة ، ولا بد أن تجابه دعوته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأقوى عدة وبأكثر عدد من المعارضين الذين قضى الإسلام على عقائدهم الفاسدة ، وهدم هياكل عبادتهم التي يعبدونها من دون اللّه ، كما هدم صروح الكبرياء والأنانية وأزال عروش الظلم والاستبداد ، وأذل قوما اعتزوا بسلطانهم فاستذلّوا الآخرين . إلى آخر ما جاء به الإسلام من الإصلاح للعالم ، الذي كان يموج بالفتن وتسوده نزعات مختلفة ونحل متنوعة ، وكان الناس يتخبّطون في ظلام حالك كله شر ومخاوف ، إذ يتغلب القوي على الضعيف ، فتشن الغارات لنهب الأموال وانتهاك الحرمات في التكالب على السيادة ، والاثرة والاستغلال .
فلم يخضع لهذه الدعوة جبابرة قريش الذين ملكت الأنانية قلوبهم ، واستولى حب الذات والأثرة على مشاعرهم ، وجعلوا من عبادة الأصنام قواما لحياتهم .
ولأن محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يدعو إلى عبادة رب واحد لا شريك له ، كما جاء بنظام العدل