تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦

وخبرة فائقة بأحوال الناس ونزعاتهم وميولهم ، وعلما بالظّروف ومقتضيات الزمن ، فلم يستجب لتلك المحاولات ، ولم يتحول عن منهجه فيغامر بنفسه وبأهل بيته مغامرة عقيمة النتائج ، تعود على المجتمع بأخطار جسيمة ؛ لذلك كان ينهى أبناء عمه عن القيام بكل نشاط ثوري ، لثقته بفشل كل محاولة في ذلك الوقت . فلم يتجاوز في نشاطه الحد الذي يهدم جهوده التعليمية ، أو يحول دون متابعة دعوته الإصلاحية ، ولو أنّه أجاب أبا سلمة أو أبا مسلم لما ندباه إليه كما تقدم ، لكان عرضة لتلك الأخطار التي حلت بغيره ممن عرف بنشاطه الثوري . فكان لتلك الأحداث أثر سيئ في نفوس الناس . ولا بد لداعي الإصلاح من أنصار ينصهرون بمبادئ الدعوة وأهدافها يشاركونه بذلك الشعور عن نية صادقة وعزيمة ثابتة ، لينتصر بهم ويركن إليهم ، ويكونوا أعوانا مخلصين يأمنهم في كل خطوة يخطوها بطريق الإصلاح . وكم من إنسان يأمل النصر من أناس ، ولكنهم يخذلونه عند حاجته إلى النصر ، لعدم اختباره لهم وعدم علمه بأحوالهم ، لذلك كان من المحزن تحسّس ذلك النوع من الأنصار كما فعل الإمام الصّادق ، ويظهر أثره في جوابه لأبي مسلم « 1 » بقوله : « ما أنت من رجالي ولا الزمان زماني » . وكذلك قوله لرسول أبي سلمة : « ما أنا ولأبي سلمة وهو شيعة لغيري » فلا

هامش
( 1 ) أبو مسلم الخراساني : هو عبد الرّحمن بن مسلم . اتصل بإبراهيم الإمام وهو غلام ، فنشأ في خدمته وتربى في نعمته ، وكان ذكيا فطنا قوي النفس ، فأرسله إبراهيم إلى خراسان داعيا للدولة وهو ابن ثمان وعشرين سنة ، وقال لهم : إنه منا أهل البيت . فكان يسمّى أمين آل رسول اللّه ، وقام بدوره في الدعوة حتى أظهرها سنة 129 ه وكان شديد البطش سفاكا للدماء حتى أحصي من قتلهم في أيامه فكانوا ستمائة ألف . ذكر ابن عساكر أن رجلا قام لأبي مسلم وهو يخطب ، فقال له : ما هذا السواد الذي عليك ؟ قال : حدّثني أبو الزبير عن جابر أن رسول اللّه دخل مكة وعليه عمامة سوداء ، يا غلام اضرب عنقه فضربت عنق الرجل السائل . وقد استقل أبو مسلم بالحكم والناس له تبع ، حتى قال بعضهم بإمامته ، ولما خشي المنصور من بطشه احتال عليه فقتله سنة 137 ه فلم تصدق طائفة من تابعيه بموته ، وقالوا إنه حي ، وذهبت أخرى إلى التصديق بموته ، وقالوا بإمامة ابنه من بعده . والتاريخ حافل بأخباره وسيرته من بطش وفتك وتقلب في الرأي وفساد في العقيدة . سأل بعضهم عبد اللّه بن المبارك عن أبي مسلم : أهو خير أم الحجاج ؟ فقال : لا أقول أن أبا مسلم خير من أحد ، ولكن الحجاج شرّ منه .