الهائج ، لأن في ذلك ضياع المصلحة التي يحرص عليها ، وإهدار للدماء من غير نتيجة مرضية . ولقد عاش عليه السّلام وهو غير بعيد عن مجتمعه الذي يعيش فيه ، وقد عرف مقدرتهم الحربية فلا يمكنه الركون إليهم والاعتماد عليهم لأنّهم لا ينتصر بهم في حرب ، ولا يثبتون في شدة . وأهل الثبات والصدق قلّة في مواجهة قوة الحكام الغاشمة ، ولكل دم من آل بيت محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رسالة ، فلو لا دم الحسين جدّه لتمكنت أمية من تحقيق ردّتها وتغليب جاهليتها ، وها هم آل الرّسول يحامون عن وجودهم من دون إعلان للثورة ، فلما ذا يقدم نفسه وشيعته طعمة سهلة ولقمة سائغة . وسعي الناس إلى الرضا من آل محمّد لا يكف ، وثوراتهم لا تتوقف ، ولكن ما وهبه اللّه من محبة في النفوس وانقياد إليه لا يبرر التعرّض لأهل القوة والسلطان ، كما لا يكفي الهياج في الأحاسيس والمشاعر . وحدها خطة الإصلاح والدعوة إلى التمسّك بأهداب الإسلام هي التي تكفل للمؤمنين النجاح والبقاء .
ولم يكن أبو سلمة معروفا بولائه الصحيح ، وعقيدته الصادقة فيكون محل ثقة الإمام ليستجيب له ، ولو استجاب لكانت العاقبة أدهى وأمرّ ، كما اتضحت الحالة وظهرت الحقائق .
وصفوة القول إن الإمام الصّادق عليه السّلام قد اعتزل ذلك المعترك السياسي ، لا عن خضوع وتسليم ، بل كان انعزال ثورة وتصميم ، فقرّر أن يدعو إلى اللّه ، لتوجيه الوعي الإسلامي بالقوة الروحية التي جعلها الإسلام هي الأساس الوحيد للحياة الدنيا ، وهو أقوى أثرا في اندفاع الإنسان إلى العمل . والشعور بالمسؤولية ، وأن يقوم المصلحون بالدعوة الصامتة ، فهي أنجح الوسائل في التبليغ ، وأقرب الطرق لهداية الناس .
إذا ما هي الدعوة الصامتة ؟ . . .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 303
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٠٣