أسس الدعوة إلى الإصلاح :
اتجه عليه السّلام منذ تفرّده بالزعامة واستقلاله بمهمة الإمامة إلى الدعوة للّه ، وقد ألزم دعاة الخير وقادة الصّلاح بأن يدعوا الناس بأعمالهم قبل الدعوة لهم بأقوالهم ، لأن الناس من شأنهم أن ينظروا في أعمال من يدعونهم إلى الخير ، فإن رأوا منهم العمل بما يدعونهم إليه والوقوف عند حدوده اتبعوهم ، وإن رأوا عملهم يخالف قولهم نبذوهم . ولذلك قالوا : إن تأثير العمل على الناس فوق تأثير القول .
وإن أمثل قاعدة يسترشد بها في اصطفاء من يتخذه الناس زعيما لهم وقدوة هي أعماله ، فهي التي تجعله أهلا لأن يسلم إليه الناس قيادهم ، ويأتمنوه على عقولهم يثقفها ويغذيها ، وعلى أخلاقهم يقوّمها ويزكّيها ، وإن أثر الحكمة الخلقية تسمع من أفواه الوعاظ أو الدعاة إلى الخير ليس بأكثر منها وهي مسطورة في الكتب ، أو منقوشة في الجدار ، إذ الأقوال الخالية عن العمل من قبل قائلها تدعو الناس إلى عدم الاعتداد بها ؛ لأنّهم لا يرون أثرا منها على من يأمر بامتثالها . فلهم الحق إذا نفروا عنه . وكان ذلك من جملة العوامل التي دعت الإمام إلى تقرير القيام بالدعوة الصامتة كما جاء في وصيته لأصحابه بقوله : « أوصيكم بتقوى اللّه ، وأداء الأمانة لمن ائتمنكم ، وحسن الصحابة لمن صحبتموه ، وأن تكونوا لنا دعاة صامتين » .
فوقع هذا القول عندهم موقع الاستغراب . أجل ، كيف يكون الداعي للخير صامتا ؟ وكيف يقومون بهذه المهمة وهم لا يتكلمون ؟ فطلبوا منه إيضاح الأمر وإزالة الاشتباه ليزول الاستغراب فقالوا : يا ابن رسول اللّه وكيف ندعو ونحن صامتون ؟
قال عليه السّلام : « تعملون بما أمرناكم به من العمل بطاعة اللّه ، وتعاملون الناس بالصّدق والعدل ، وتؤدّون الأمانة ، وتأمرون بالمعروف ، وتنهون عن المنكر ، ولا يطّلع الناس منكم إلّا على خير ، فإذا رأوا ما أنتم عليه علموا فضل ما عندنا ، فتنازعوا إليه » . وبذلك أراد أن تكون الواسطة بينه وبين المجتمع تعكس واقع تعاليمه ، وتحبذ منهجه ومبادئه ، فركّز على أن ينهج أصحابه منهج العمل الصحيح والقول الصادق .
ولم يزل يكرّر هذه القاعدة ، ويلزم أصحابه بها ، ويحثّهم على العمل بما أمرهم به ، وقد ورد عنه كثير من الأقوال بهذا المضمون .
قال أبو أسامة : سمعت أبا عبد اللّه الصّادق يقول : « عليكم بتقوى اللّه ، والورع