يمكنه القيام بثورة دموية وقد عرف عواقبها ، واتضح للجميع نتائج القيام بها مع علمه بذلك المجتمع الذي أنهكت قواه الحروب المتتالية والثورات المتتابعة .
وقد وجد عليه السّلام أن الأمر يدعو إلى الحزم والتريث ، وأن يتحيّن الفرص المؤاتية ، إذ القيام بأمر في غير أوانه لا بد وأن يفشل وينهار ، فصمّم على الاحتفاظ بالاتجاه العلمي ، والوقوف موقف المصلح المتسلّح بالإيمان باللّه ، ونشر تعاليمه ، وبعث الوعي الإسلامي بالقوة الروحية ، التي هي أقوى العوامل في الالتزام الديني والسعي إلى الخير ، وقد جعلها الإسلام هي الأساس الوحيد للحياة الكريمة والمجتمع الأمثل ، لأن المجتمع الإسلامي حسب تعاليمه ونظمه لا يقوم إلّا على الإيمان باللّه بعقيدة راسخة ، ومنه تنبعث القوة الروحية ، لأداء الواجب والشعور بالمسؤولية والتضامن بين الأفراد والتكافل الاجتماعي ، وبذلك يسعد المجتمع وينعم أفراده .
فكان الإمام الصّادق عليه السّلام خير داعية للإصلاح لما اتصف به من صدق القول ومثابرة العمل ، ولم يقعد به عن ذلك ما لقيه من الأذى وما نزل به من مصائب ، فلم تهن عزيمته ولم تفتر همّته ، بل ثبت في نشر دعوته ، وواصل أداء رسالته بالدعوة إلى العمل الصالح ، وهو دليل رسوخ العقيدة والإيمان باللّه . وكلما ازداد الإيمان باللّه ازداد العمل الصالح ، وبذلك تهون المخاطر التي تحوط دعوة المصلح وتهددها ، ويكسبها قوة الصمود ، وقدرة اجتياز العراقيل والعقبات .
وكيف ينجو المصلح من مجابهة الشدائد ؟ ومهمته أن يحول بين نفوس الناس وشهواتها ، ويباعد بينها وبين ما ألفته من العادات ، فمن العسير أن يخلعوا أنفسهم مما هم فيه ، وأن يمدّوا أعناقهم للحق الذي ابتعدوا عنه .
والمصلح يحتاج إلى ثبات ، فلا يتسرب اليأس إلى نفسه ، ولا تهن عزيمته عندما يصطدم بعقبة تعترض سبيل دعوته . ولا يحصل ذلك الثبات إلّا بقوة الإيمان باللّه . وهناك يستطيع أن يوجد أمة تصرخ بوجه الطغاة الذين استبدوا بالحكم ، وظلموا العباد وخربوا البلاد
ومَن لَم يَحْكُم بِما أَنْزَل اللَّه فَأُولئِك هُم الْفاسِقُون
فالذين آمنوا باللّه حق الإيمان يجاهدون في اللّه حق جهاده ، لتكون كلمة اللّه هي العليا ، ولا تأخذهم في الحق لومة لائم .