حد لا يسمح بتحديده تحديدا دقيقا . وأصبح الزنديق الواقعي آمنا إن أمنت السلطة سطوته .
وهذا ما حمل الكثيرين من الكتّاب على إيجاد رابطة بين الزندقة وبين التحرر الفكري والنقد للأوضاع ، ذهولا منهم عن التوصل إلى الحقيقة ، وقصورا عن معرفة الأسباب ، التي جعلت الانتساب إلى التشيع دليلا على الزندقة ، وداعيا إلى الاتهام بها ، ولا شيء هناك إلّا عدم ارتباط العقائد بالدولة ، وإن انفصالهم الروحي وعدم امتزاجهم بالسلطان وأعوانه لأكبر دليل على الاستهانة بتوجيه الأسباب التي توجب اتهامهم بذلك . وأهم شيء اتهامهم بسب الشيخين ، فإن هذه التهمة هي فوق جريمة الإلحاد ، فإن المتهم بالزندقة تقبل توبته ، أما المتهم بهذه التهمة فلا تقبل توبته ، ويحكم بكفره وإلحاده مع إيمانه باللّه ورسوله وإقامة الفرائض ، ولكن للسياسة حكم فوق ما يثبته الواقع ويقرّه الحق ، إذ هي عمياء لا تبصر ، ولهذه المشاكل كان ذلك العصر يموج بحوادث لها أهميتها في تاريخ الإسلام .
نشاط العلماء وتأييد الدولة :
وكان من أهم مظاهر ذلك العصر انصراف علماء الإسلام إلى دراسة العلوم المختلفة ، كما اتسعت حركة التأليف ، وزاد نشاط العلماء في تدوين علوم الإسلام ، ورتبوا أبواب الفقه وأنواع الحديث . وكان الخلفاء - مع انغماسهم في الشهوات والترف وارتكابهم المحرمات - يتظاهرون بخدمة العلماء ، ويتحلون بالنزعة الدينية ، وبهذا تمكنوا من استخدام رجال منهم وسيلة لتوطيد استبدادهم ، وذريعة لإخضاع العامة لهم ، وأنهم ملزمون بإطاعة السلطان إطاعة عمياء ، وأن تصرفه لا يجوز الاعتراض عليه ، وإن انحرف عن حدود طاعة اللّه ؛ وبهذا وقع تطور أوجد مشاكل خطيرة ، فكانت في ذلك العصر للفقهاء والمحدثين درجات عالية عند الخلفاء ، وقد كثر الجدل والنقاش في أهم المسائل الفقهية ، كما كثر في العقائد والمسائل الكلامية .
كما وقد اشتدت قضية أهل الرأي وأهل الحديث ، وأصبح لكل جانب أنصار ، وهم يقيمون الحجج والبراهين على ما يذهبون إليه . إلى غير ذلك من مميزات ذلك العصر الذي نشأ فيه الشّافعي .
كما وقد أثيرت هناك مسائل كثيرة تتعلق بالتوحيد وبالصفات . ورؤية اللّه بالابصار ، وغيرها من المسائل ذات الأهمية في ذلك العصر . كالبحث حول الحديث