أخباره :
نشأ الشّافعي يتيما في حجر أمه ، وقدمت به مكة خوفا عليه من الضيعة ، وليتلقى دراسته ، فاستقبل عهد دراسته على خالد الزنجي ومالك ، وكان بطبيعة الحال شديد الحاجة إلى ما يساعده على مواصلة دراسته ، لأنه كان فقيرا لا يجد ثمن القرطاس الذي يكتب عليه دروسه ، فكان يتعوض عنه بأكتاف الغنم . وقد ساعده مالك بن أنس لسعة حاله ، وبعد وفاة مالك التجأ إلى الوساطة لأن يلي عملا للدولة ، ليستعين به على زمانه . فعيّن في اليمن ، وحمل منها أو من مكة إلى بغداد بتهمة التشيع أو غير ذلك . وكانت بغداد في عنفوان نهضتها العلمية وحركتها الثقافية ، واتجاهها الفكري إلى مختلف العلوم . وكان الفقهاء في ذلك العصر قد انقسموا إلى أهل رأي يعتمدون في نهضتهم على سرعة أفهامهم ، ونفاذ عقولهم ، وقوتهم في الجدل . وأهل حديث يعتمدون على السنن والآثار ، ولا يأخذون من الرأي إلّا ما تدعو إليه الضرورة . وكان الشّافعي قد تفقه على أهل الحديث من علماء مكة ، وعلى مالك من علماء المدينة . وكان يعترف لمالك بالفضل والمنّة فكان يقول : إذا ذكر العلماء فمالك النجم ، ما أحد أمن عليّ من مالك بن أنس . ولما ذهب إلى العراق استرعى نظره تحامل أهل الرّأي على أستاذه والمنعم عليه مالك بن أنس وعلى مذهبه . وكان أهل الرأي أقوى سندا وأعظم جاها بما لهم من المكانة عند الخلفاء ، وبتوليتهم شؤون القضاء ، ذلك لأنهم أوسع حيلة في الجدل من أهل الحديث وأنفذ بيانا « 1 » . وقد وقعت لكثير من الخلفاء وغيرهم مشاكل ، فكان لها مخرج عند أهل الرأي ، لذا كانت منزلتهم في الدولة أعظم من غيرهم . وكان الشافعي قد لازم محمّد بن الحسن عند قدومه العراق ، ودرس كتبه وأخذ عنه الشيء الكثير ، واطلع على كتب فقهاء العراق ، فأضاف ذلك إلى ما عنده من طريقة أهل الحديث . وعاد الشّافعي من العراق إلى الحجاز ، واستمر بمكة يواصل استفادته من الوافدين إلى مكة من علماء الأمصار ، واختلط بهم ، ثم عاد إلى العراق مرة ثانية سنة