الثالث أسأله عن الرؤية ؟ فكتب عليه السّلام : « لا تجوز الرؤية - عقلا - ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء « 1 » ينفذ البصر ، فإذا انقطع الهواء عن الرائي أو المرئي لم تصح الرؤية » . قال سيدنا شرف الدين : إن العقل الذي عرفنا اللّه تعالى به يحكم مستقلا بامتناع رؤية الباري سبحانه ، سواء أكانت الرؤية بصرية ، أم قلبية ، أم خيالية ، أم وهمية ، لامتناع لوازمها بحكم العقل . نعم ، ندرك بأبصارنا آيات اللّه في عجائب مخلوقاته
إِن فِي خَلْق السَّماوات والْأَرْض واخْتِلاف اللَّيْل والنَّهارِ لَآيات لِأُولِي الْأَلْباب
.
وفي كل شيء له آية * تدل على أنّه واحد
وندرك ببصائرنا أنه هو اللّه ، الذي لا إله إلّا هو ، عالم الغيب والشهادة ، هو الرحمن الرّحيم .
وعن الإمام الرضا عليه السّلام أخرجه الكليني في أصول الكافي بسنده إلى صفوان بن يحيى قال : سألني أبو قرة المحدث أن أدخله على الإمام أبي الحسن الرضا عليه السّلام فاستأذنته في ذلك ، فأذن لي ، فأدخلته عليه ، فسأله عن الحلال والحرام حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد ، فقال أبو قرة : إنا روينا أن اللّه قسم الرؤية والكلام بين النبيين ، فقسم الكلام لموسى ، ولمحمّد الرؤية فقال الإمام عليه السّلام :
« فمن المبلغ عن اللّه إلى الثقلين من الإنس والجن في أنه لا تدركه الأبصار ، ولا يحيطون به علما ، وليس كمثله شيء ؟ أليس هو محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؟ » قال أبو قرة : بلى .
قال عليه السّلام : « كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم : أنه جاء من عند اللّه ، وأنه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه ، ويقول لهم عن اللّه : أنه لا تدركه الأبصار ، ولا يحيطون به علما ، وليس كمثله شيء ؟ ثم يقول لهم : أنا رأيت اللّه بعيني ، وأحطت به علما ، وهو على صورة البشر . أما تستحون ؟ ! ما قدرت الزنادقة أن ترميه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بهذا ، أن يكون يأتي من عند اللّه بشيء ثم يأتي بخلافه ! . . »
قال له أبو قرة : فإنه تعالى يقول :
ولَقَدْ رَآه نَزْلَةً أُخْرى
.
هامش
( 1 ) الهواء كنه المعنى الذي يعبر عنه فلاسفة اليوم بالأثير الممتد عندهم من عين الرائي إلى المرئي .