المقلّدين لضعف ثقتهم بأنفسهم وسوء ظنّهم بالناس وزعمهم عكس ما يقول أصحاب النشوء والارتقاء من دعواهم أن العقل دائما في تدن وانحطاط ، وغلوهم في تعظيم السابقين . . . « 1 » . وقد تقدم في الجزء الأول بعض ما يتعلّق بمسألة الاجتهاد والتقليد وذكرنا هناك آراء كل من الفريقين من العلماء المعاصرين وغيرهم .
التلفيق :
وهو الأخذ برأي إمام في مسألة ، والعدول عن رأيه إلى رأي غيره في مسألة أخرى . وقد وقع الخلاف في جوازه ومنعه . وقال الشاطبي : إنّه ليس للمقلد أن يتخير في الخلاف ، كما إذا اختلف المجتهدون على قولين ، فوردت كذلك على المقلّد ، فقد يعد بعض الناس القولين بالنسبة إليه مخيرا فيهما ، كما يخير في خصال الكفّارة ، فيتبع هواه وما يوافق غرضه . إلى أن يقول : وقد أدى إغفال هذا الأصل إلى أن صار كثير من مقلدة الفقهاء يفتي قريبه أو صديقه بما لا يفتي به غيره من الأقوال ، اتباعا لغرضه وشهوته ، أو لغرض ذلك القريب وذلك الصديق . ثم أورد قصصا عن القضاة والمفتين الذين طلبوا الرخص في الفتوى ، نزولا لرغبة السلطان أو الأصدقاء والأقارب ، كقصة قاضي قرطبة الذي قضى بما يرضي المخلوقين ، وقصة يحيى بن لبانة عندما عزل عن القضاء لسقوط عدالته ، ولكنه عاد إلى المنصب عندما أفتى الخليفة بما يرضيه « 2 » . وأجاز ذلك آخرون . وقد نسبوا التخير في القولين ، وتتبع الرّخص لأكثر أصحاب الشافعي . وقد منع الحنفية ذلك ، ولكنه واقع عندهم في أكثر الفتاوى . واستدل المجوزون : بما فعله أبو يوسف من التلفيق ، وذلك أنّه لما صلّى بالناس الجمعة ، فأخبر بوجود فارة في ماء الحمام الذي كان قد اغتسل منه للجمعة ، فقال : نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة : ( إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل خبثا ) « 3 » . وكان أبو يوسف ومحمّد بن الحسن - وهما عماد المذهب الحنفي - يكبّران في